الصفحة 18 من 442

وإذا انتقلنا إلى الركيزة الثالثة لمنطلقات التراث البلاغي القديم وهي النص ، فإننا نقف أيضا أمام جملة من الملاحظات والآراء النقدية والبلاغية التي تتعلق بصورة أو بأخرى بجوهر الرسالة اللغوية ذاتها ، وبعملية الخلق والإبداع وخطوطها المتقاطعة ، سواء على مستوى محور الاختيار أم على مستوى محور التوزيع . ولكن في الواقع حينما نرصد هذه الملاحظات ، ونكشف عن جوانب منها في النقد البلاغي القديم - والتي نعتقد أنها تصلح لأن تكون أصولا لنظرية نقدية حديثة - لا ندعى بأن علماءنا الأوائل كانت ترمى ملاحظاتهم - وخاصة فيما يتعلق بالنص ذاته - إلى تأسيس نظرية نقدية ، توضح لنا عملية النقد ذاتها وكيفية إجرائها على النصوص المدروسة ، وإنما هي ملاحظات كانت تتفق والمفهوم البلاغي القديم الذي يرى أن البلاغة نظام من القواعد تقوم مهمته على التوجيه إلى كيفية إنتاج الأدب ، وأن هذه الملاحظات تقعيدية بالدرجة الأولى ؛ أي أنها عبارة عن نصائح وأوامر صادرة إلى المبدع ، ينبغي عليه مراعاتها واتباعها ، كي ينال النص الأدبي كلمة استحسان أو كلمة رضا . في حين أن انطلاق النقد الحديث من الزوايا الثلاث يأتي للبحث عن كيفية تحليل النص ، وفهم طبيعة لغته ونظامها بصورة أقرب إلى جوهره وحقيقته . ومع ذلك فإننا يمكن في الجانب الآخر ، أن نكشف من عملية التقعيد هذه ، عن خصائص تتصل بكيفية تحليل النصوص وتقبلها أو الحكم عليها . وفي عبارة أخرى إذا كانت البلاغة القديمة تهتم بالدرجة الأولى بطريقة إنتاج النص ، وتقدم النصائح والشروط اللازمة لإنتاجه ، فإننا - كمتلقين - يمكن أن نفيد من ذلك برصد هذه التعليمات في النص المدروس ، ونحدد درجة قوتها ونفوذها فيه ، ومدى التزام المبدع بها لنصل من وراء ذلك إلى الكشف عن أدبية النص وجمالياته المنشودة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت