الصفحة 19 من 442

فالبلاغة"لا تعطي بسبب نظامها الشامل طريقة إنتاج النص فقط ، ولكنها في مجال الأسلوبية تسهل أيضا تفسير الشعر" [1] .

وانطلاقا من الاهتمام بجماليات النص وتحسينه وتزويقه ، نرى أن القدماء - نقادا ومبدعين - قد أولوا النص عناية خاصة في اختيار الألفاظ ، وفي تنسيق العبارات وانتقاء الصور الخيالية ، وهي عناية لم تكن من أجل التعبير عن ذات المبدع فحسب ، أو التأثير على المتلقي وإقناعه ، وإنما لإنتاج لوحة فنية رائعة في ذاتها تمتع صاحبها عند النظر إليها قبل أن تمتع الآخرين .لقد كان الشعراء يرتدون إلى القصيدة ، ويعاودون النظر فيها تحسينا وتجويدا"حتى تغدو أساليبها مستوية متناسقة أشد مايكون الاستواء والتناسق" [2] . وقد عبر الجاحظ في كتابه البيان والتبيين عن ذلك بقوله"ومن شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولا كريتا ، وزمنا طويلا ، يردد فيها نظره ، ويقلب فيها رأيه اتهاما لعقله وتتبعا على نفسه ، فيجعل عقله ذماما على رأيه ، ورأيه عيارا على شعره ، إشفاقا على أدبه ، وإحرازا لما خوله الله من نعمته ، وكانوا يسمون تلك القصائد:"الحَوليَّات"، و"المقلَّدات"، و"المنقَّحات"، و"المحكَّمات"ليصير قائلها فَحْلا خِِنْذيذا ، وشاعرا مُفلقا" [3] .

(1) - علم اللغة والدراسات الأدبية , برند شبلنر , ترجمة محمود جاد الرب , الدار الفنية للنشر ط 1 , 1987م:180.

(2) - البلاغة تطور وتاريخ , د . شوقي ضيف , دار المعارف , ط 8 , 1990م: 13 .

(3) - البيان والتبين: حـ 2: 7 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت