فهرس الكتاب
وما كان جهد عبدالقاهر الجرجاني في وضع نظرية النَّظم ، وأنها توخي معاني النحو فيما بين الكلم إلا إيمانا منه بأن النظم أساس بنية الخطاب اللغوي وخاصة الشعري ،"وجملة الأمر لايكون ترتيب ( إبداع ) في شئ ، حتى يكون هناك قصد إلى صورة وصفة ، إن لم يقدم فيه ما قدم ، ولم يؤخر ما أخر ، وبدئ بالذي ثنى به ، أو ثنى بالذي ثلث به ، لم تحصل لك تلك الصورة وتلك الصفة" [1] . فحقيقة العمل الأدبي تكمن في التراكيب اللغوية ، وما ينشأ بينها من علاقات نحوية ، تكشف عن كفاءة نادرة وقدرة فائقة"واعلم أن من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه والحسن كالأجزاء من الصبغ ، تتلاحق وينضم بعضها إلى بعض ، حتى تكثر في العين ، فأنت لذلك لا تُكبِر شأن صاحبه ، ولا تقضي له بالحِذْق والأستاذية ، وسِعة الذَرع ، وشدة المُنَّة حتى تستوفي القطعة" [2] . وعلى الرغم من هذه البدايات الصحيحة للنقد العربي والبلاغة العربية ، فإن البلاغة قد اتخذت خطا مخالفا لسبيلها الذي سلكته ، وأصبح الشغل الشاغل لأصحابها التقعيد والشرح والتلخيص ، بدلا من السعي بها نحو النمو والتطور الضروري لمواكبة تطور الإنتاج الفني ، على نحو ما فعلت الدراسات النقدية الغربية ، فالأخيرة انطلقت من نظرية المحاكاة عند أفلاطون وأرسطو ، إلى نظرية التعبير الذاتي الوجداني الذي نادت به الرومانسية ، إلى محاكاة الواقع عند الاشتراكيين ، إلى النظريات الأسلوبية الحديثة وغيرها ؛ وذلك كله مسايرة للمتغيرات التاريخية والفلسفية في العصور المختلفة ، ومواكبة لتطور النص الأدبي كذلك ، من حيث دوافع إنتاجه ، ووظيفته ، وعملية إبداعه الفني ولغته .
(1) - دلائل الإعجاز: 364 .
(2) - المصدر السابق: 88 .