فهرس الكتاب
لاغرو في أن المبدع وبخاصة الشاعر ، قد حاز اهتمام القدماء قبل المحدثين ، وأن محاورات أفلاطون لَتكشف عن المكانة القدسية التي أضفيت على الشاعر، وجعلته في مقام أعلى من مقام البشر"الشاعر كائن أثيري مقدس ، ذو جناحين ، لا يمكن أن يبتكر قبل أن يلهم ، فيفقد صوابه وعقله ، ومادام الإنسان يحتفظ بعقله ، فإنه لا يستطيع أن ينظم الشعر ، أو يتنبأ بالغيب . إن هؤلاء لا يستطيعون أن ينطقوا بهذا الشعر الرائع ، إلا غير شاعرين بأنفسهم ، وأن الإله نفسه هو الذي يكلمنا ويحدثنا بألسنتهم" [1] . ولا ننسى كذلك ما كان للشخصية الشعرية في التراث العربي القديم ، من منزلة رفيعة بين الناس ، لا تختلف كثيرا عن رؤية أفلاطون لها ؛ فقد كان العرب يعتقدون بأن لكل شاعر شيطانا [2] . يلهمه قول الشعر . وأيا كان هذا الاعتقاد وبعده عن الحقيقة ، فإنه يكشف لنا في طياته عن مقدرة إبداعية ، يتمتع بها الشاعر ولا يتمتع بها غيره من بني البشر ؛ تلك المقدرة التي دفعت النقاد والمفكرين إلى الاعتقاد بأن هناك قوة غيبية تسانده ، وتوحي إليه بقول الشعر وفي الواقع أن التقدم الفكري والحضاري ، قد أزاح كثيرا من الضبابية التي كانت تحوم حول شخصية المبدع / الشاعر ، وأن دور الشاعر أصبح أكثر وضوحا ، وتمثلا في ذهن الإنسان المعاصر عنه في العصور القديمة . وحيث إن العمل الأدبي في جوهره رسالة لغوية ، موجهة من المبدع إلى المتلقي فإن اهتمام المبدع ينصب على الصياغة اللغوية لهذه الرسالة ، كي تؤدي وظيفتها وفاعليتها عند المتلقي .
(1) - محاورات أفلاطون: أيون ص 534 , نقلا عن النقد الأدبي الحديث , د . محمد غنيمي هلال , دار النهضة العربية ط 1 , 1964 م: 25 .
(2) - انظر جمهرة أشعار العرب لأبي زيد محمد بن أبي خطاب القرشي , تحقيق الأستاذ علي فاعور , دار الكتب العلمية , بيروت ط 1 , 1986 م: 57 .