فهرس الكتاب
وإذا كانت اللغة كظاهرة اجتماعية ، تتحقق عند مجموع أفراد الجنس ، كي يتم التواصل اللغوي بينهم ، فإنه على المستوى الفعلي لاستخدام اللغة ( وهو الكلام ) تحدث مفارقات لغوية بين الأفراد ، تجعل كل فرد له طابعه الخاص ، وطريقته الخاصة ، في انتقاء مفرداته وتراكيبه وصوره"فاللغة موجودة على هيئة ذخيرة من الانطباعات ، مخزونة في دماغ كل فرد من أفراد مجتمع معين" [1] ,"أما الكلام فعلى العكس من ذلك فعل فردي وهو عقلي مقصود" [2] . والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هل المبدع يستعمل اللغة كما يستعملها المتكلم العادي ؟ في الواقع أن المتكلم العادي يستعمل اللغة بطريقة عفوية تخلو من التأنق ، أو التأثير المقصود على السامع ، ويظل المتكلم في استعماله للغة خاضعا للعرف اللغوي العام ، ولا يهمه سوى نقل الفكرة إلى الآخرين . أما المبدع فعلاقته باللغة أمر مختلف تماما ، إذ إنه لا يتعامل معها كوسيلة اتصال فحسب ، بل كمادة لغوية قابلة للتشكيل الفني ، وهي تمثل جوهر العمل الأدبي ، وحيث إن لكل متكلم طريقته الخاصة في التفكير والتعبير ، فإن المبدع باستغلاله لإمكانات اللغة المتاحة ، وتشكيلها بطريقة تنم عن تفكيره وذوقه ورؤيته للأشياء ، يصبغ خطابه بصبغته الفردية ، ويكون لنفسه أسلوبا خاصا لا يتكرر عند غيره . من هذا المنطلق وجدت الدراسات الأسلوبية الحديثة أن الأسلوب بصبغته الفردية ، يمكن أن يعكس شخصية صاحبه ، وأن يكون مطابقا لها إلى درجة كبيرة . ومن ثم كانت تعريفات كثير من الأسلوبيين للأسلوب - بوصفه مادة الدراسة الأسلوبية - تدور حول المطابقة بين المبدع وأسلوبه"فما الأسلوب إلا طريقة المتكلم في التعبير والتفكير ، وفي طريقة تصوره للأشياء ، وفهمه لها ."
(1) - علم اللغة العام , فردينان دي سويسر ترجمة د . يوئيل يوسف عزيز , أفاق عربية 1985 م: 38 .
(2) - المرجع السابق ك 32 .