الصفحة 39 من 442

إن القراءة التي يقوم بها المتلقي"فعل خلاق يقرب الرمز من الرمز، ويضم العلامة إلى العلامة، وسير في دروب ملتوية جدا من الدلالات نصادفها حينا ، وبتوهمها حينا فنختلقها اختلاقا ، إن القارئ وهو يقرأ يخترع ويجاوز ذاته نفسها ، مثلما يجاوز المكتوب أمامه ، إننا في القراءة نصب ذاتنا على الأثر ، والأثر يصب علينا ذواتا كثيرة ، فيرتد إلينا كل شيء فيما يشبه الحَدْس والفهم" [1] . وقد بالغ"بارت"حتى ساوى بين المبدع والمتلقي ، بل إنه وحد بينهما حتى قال بوجود الكتابة القارئة"فالنص يتكلم كما يريد القارئ ، بل إن قيمة النص تتمثل فيما تتيحه للقارئ من محاولة كتابته مرة أخرى" [2] . فالقارئ ليس سلبيا في تلقيه ، وإنما هو مبدع آخر للعمل المقروء ، فإذا كان النص الأدبي إبداعا ، فإن عملية تفكيك النص وإعادة تركيبه ، تندرج هي الأخرى في إطار الإبداع ، فالقراءة كما يقول"سارتر","عملية خلق من القارئ بتوجيه من المؤلف" [3] . ، والنص لا يتحقق وجوده الفعلي إلا من خلال القراءة الواعية ، وبطبيعة الحال فإن المتلقي الذي يقوم بهذه القراءة ليس أي متلق ، وإنما لابد أن يكون على مستوى من الفهم الفني ، والقدرة على التركيب والإبداع ، إنه القارئ المثالي للنص الذي نادى به"ريفاتير"فهو"يتحتم (عليه) أن يكون واسع الإطلاع ، ليس فقط بالمعرفة الأدبية التاريخية المتوفرة اليوم ، وإنما مسلحا بالقدرة على تسجيل كل انطباع جمالي تسجيلا واعيا ، ثم إحالته مرة ثانية إلى بنية فعالة للنص" [4] . وأهمية القارئ ذي المستوى الفني المعين دفع الدكتور / صلاح فضل إلى المطالبة"بإعادة تأهيل المتلقي" [5] .

(1) - من قراءة النشأة إلى قراءة التأويل , حسين الواد , مجلة فصول م 5 ع 1 , 1984 م: 115 .

(2) - البلاغة والأسلوبية: 239 .

(3) - ما الأدب: 56 .

(4) - قضايا الحداثة: 206 .

(5) - احتياجات المتلقي في الخطاب الشعري المعاصر , د..صلاح فضل , بحث شارك به في دورة الشابي المغربي 1994: 24 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت