فهرس الكتاب
ثم يعيد تركيبه في صورة جديدة ، فالعلاقة بين الشاعر والناقد أو المتلقي المثالي علاقة جدلية ، تبدأ من الشاعر لتنتهي إلى الناقد عبر النص الأدبي ، لتعود مرة أخرى إلى النقطة التي بدأت منها . فالشاعر يرقب الأشياء المتنافرة في الواقع ، والتي انعكست على ذاته فيجمعها برؤيته الشعرية ، ويركبها في كل موحد . والناقد يعمد إلى هذا الكل فيكشف عن عناصره ، ويفتتها ويحللها ، ليقترب من فهمها ومن طبيعتها الأولى ، ولعل القول في"علم الميكانيكا"بأن"الكل هو دائما أكثر من مجموع الأجزاء التي يتكون منها"ينطبق تمام الانطباق على حقيقة العمل الأدبي ، وما يثار حوله من قضايا نقدية استكشافية لعناصره ، فالقصيدة ، لا يفضُّ بكارتها ناقد واحد ، أو مجموعة نقاد ؛ لأنها بكليتها تظل أكبر من كل محاولاتهم جميعا ، وهذا التحدي هو الذي يضمن لها استمراريتها وحيويتها ، فتظل عصية على المصادرة أو الاستهلاك. ولهذا مازال شعرنا القديم يحتفظ بطاقاته الإبداعية ورونقه حتى الآن ، فمئات من النقاد اندفعوا - بفعل جاذبيته - إلى قراءته فلم يستطيعوا استهلاكه أو فك شفراته اللغوية بصورة كاملة . وقد أشار الدكتور عاطف جوده إلى العلاقة بين وحدة النص وتعدد التفسيرات فقال:"إن التعدد التفسيري لا يفقر النص ، وإنما يثريه ، ويكشف عن آفاقه وأبعاده في سياق الثقافة المتغيرة ، ويفضي هذا التعدد إلى أن النص لا يتضمن بالضرورة معنى نهائيا يأخذ شكل بعد واحد ومطلق . إذ النص لا وجود له بمعزل عن المركبات الذاتية للقراء" [1] .
(1) - النصر الشعري ومشكلات التفسير , د. عاطف جودة , مكتبة الشباب بالقاهرة , ط 1 , 1989م: 138 .