فهرس الكتاب
هكذا يتبين لنا كيف تم التركيز على القارئ ، وإعطائه مكانة تفوق بكثير مكانة المبدع ، ونحن لسنا هنا أمام عملية تقييم لدرجة تفوق هذا الطرف أو ذاك ، ولكن كل ما نريد قوله ، إن هذه النظريات تظل كل منها محدودة الرؤية والإمكانات بالنسبة للعمل الأدبي ، الذي يتضمن عناصر متعددة ومتشابكة منها ما يتصل بالمبدع ومنها ما يتصل بالمتلقي ، ومنها ما يتصل بالرسالة ذاتها . فأي تركيز على جانب دون الجوانب الأخرى ، يقف مهزوزا أمام عظمة النص الأدبي وكيانه . وموقف السكاكي لا ينفصم عن موقف غيره من النقاد والبلاغيين القدامى ، في عنايتهم بالمتلقي كطرف أساسي في تحقيق وجود العمل الأدبي ، وفي الضغط على المبدع في تشكيل خطابه ، بما يتفق ومقتضى حاله ومقامه . غير أن علاقة المتلقي بالنص في النقد القديم ظلت علاقة ذات اتجاه واحد يكون فيه المتلقي مستهلكا أكثر منه منتجا ، فهو يستقبله ويبدي تأثره بظواهره التعبيرية ، دون أن يحاول إعادة تركيبه أو تحميله من المضامين ما يتفق ورؤيته أو تفكيره وثقافته ، فموقف المتلقي - كما يبدو عند السكاكي - موقف سلبي إلى حد ما ، ينحصر في جانبي الإقناع والإمتاع دون الأخذ في الاعتبار إعادة صياغة النص صياغة جديدة ، باعتبار أن الكتابة النقدية حول النص هي كتابة إبداعية تستحق العناية . فهذا الجانب كان غامضا لديه - ولدى غيره من البلاغيين - بحيث لا نجد أية إشارات تدل على دور المتلقي فيه . ولكن على الرغم من ذلك ، يمكن لنا من خلال دراستنا لمصطلحات السكاكي البلاغية أن نستشف تبريرا لذلك علاوة على البعد الزمني والظروف الثقافية التي كانت سائدة في ذلك الوقت .