فهرس الكتاب
إذا غيَّر النأيُ المحبين لم يكد رسيسُ الهوى من حب ميَّة يبرحصاح به ابن شبرمة: أراه قد برح ، وكأنه لم يعجبه التعبير بقوله ( لم يكد ) فكفَّ ذو الرمة ناقته بزمامها ، وجعل يتأخر بها ، ويفكر ثم عاد فأنشد: إذا غيَّر النأيُ المحبين لم أجد رسيسَ الهوى من حب ميَّة يبرح" [1] وقد أولى السكاكي المتلقي عناية كبيرة في عملية الإبداع الأدبي ، وجعل قيمة العمل مرتبطة بما يقدمه من إفادة للمتلقي ، وبما يثيره في نفسه من انفعالات وردود فعل متنوعة . وأصبح وجود العمل مرهونا بتحقق هذين الغرضين . ففي تحديده لمفهوم علم المعاني ، يرى أن المبدع عليه أن يحقق جانب الفائدة وجانب الاستحسان"اعلم أن علم المعاني ، هو تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضى الحال ذكره" [2] . فأي كلام لم يحقق فائدة دلالية لدى المتلقي فهو كلام لاغ وباطل"من المعلوم أن حكم العقل حال إطلاق اللسان ، هو أن يفرغ المتكلم في قالب الفائدة ما ينطق به تحاشيا عن وصمة اللاغية" [3] . وقد ربط البلاغيون فصاحة الكلام بإفهام السامع وإفادته ، بحيث إذا تعثر في الوصول إلى المعنى ، بسبب اختلاف في ترتيب المفردات ، أو بسبب عدم ظهور القرائن الدالة على المعنى ، أصبح الكلام غير فصيح ، وهو ما أسماه السكاكي بتعقيد الكلام"وهو: أن يعثر صاحبه فكرك في متصرفه ، ويشيك طريقك إلى المعنى ، ويوعر مذهبك نحوه ، حتى يقسم فكرك ، ويشعب ظنك ، إلى أن لا تدري من أين تتوصل وبأي طريق معناه يتحصل" [4] ."
(1) - البلاغة تطور وتاريخ: 17 .
(2) - مفتاح العلوم: 161 .
(3) - مفتاح العلوم: 170 .
(4) - المصدر نفسه: 416 .