الصفحة 46 من 442

كما ينبغي عليه مراعاة حال المتلقي التي تستدعى الإفهام ، والتي قسمها السكاكي إلى ثلاثة أقسام: حال خالي الذهن من الحكم ، وحال المتردد في قبول الحكم ، وحال المنكر للحكم ، وكل حالة تحتاج إلى أسلوب معين في مخاطبتها ، وفي نقل الخبر إليها ."فإذا ألقى الجملة الخبرية إلى من هو خالي الذهن عما يلقى إليه ليحضر طرفاها عنده ، وينتقش في ذهنه استناد أحدهما إلى الآخر ثبوتا أو انتفاء ، كفى في ذلك الانتقاش حكمه ، ويتمكن لمصادفته إياه خاليا ... وإذا ألقاها إلى طالب لها ، متحير طرفاها عنده ، دون الاستناد فهو منه بين بين ، لينقذه عن ورطة الحيرة ، استحسن تقوية المنقذ بإدخال اللام في الجملة أو أن ... وإذا ألقاها إلى حاكم فيها بخلافه ليرده إلى حكم نفسه ، استوجب حكمه ليترجح تأكيدا بحسب ما أشرب المخالف الإنكار في اعتقاده" [1] . وهكذا نرى"أن مقام الكلام ابتداء يغاير مقام الكلام بناء على الاستخبار أو الإنكار ، ومقام البناء على السؤال يغاير مقام البناء على الإنكار ، جميع ذلك معلوم لكل لبيب ، وكذا مقام الكلام مع الذكي يخالف مقام الكلام مع الغبي ولكل من ذلك مقتضى غير مقتضى الآخر" [2] . ومعنى ذلك أن المبدع ينسج خطابه وفق حضور المتلقي في ذهنه ، ووفق حالته التي استشعرها واستشفها بفطنته ، قبل توجيه الخطاب إليه . ولكنه إذا أخطأ في تقديره لحالة المتلقي ومقامه ، فإنه يخطئ في تحقيق الفائدة عنده ، لذا فإنه ينبغي عليه أن يتعرف على طبائع الناس وميولهم وأحوالهم النفسية والثقافية ، ليتمكن بمعرفته تلك من تشخيص الحالة التي أمامه ، ومن ثم يبث إليها الخطاب بما يتوافق معها . وعلى الرغم من أن المبدع يكون مدركا لحال المتلقي ومقامه ، التي تستدعي خطابا معينا، فإنه في معظم الأحيان ، يعمد إلى مخالفة هذه الحال عن قصد منه لاعتبارات خطابية ، ويأتي بصياغة مخالفة لمقتضى الظاهر .

(1) - مفتاح العلوم: 171 .

(2) - المصدر السابق: 168 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت