فهرس الكتاب
فيحيد بالقول عن مستواه النفعي المباشر والصريح ، إلى المستوى الفني ليحقق بذلك أغراضا بلاغية تضغط على حساسية المتلقي ، وتثير اهتمامه للالتفات إليها ، والتعامل معها بفطنة وذكاء . وقد أشار السكاكي إلى أن هذا النمط من التعبير لا يقدر عليه إلا أصحاب الكلام الساحر ، وأئمة صناعة فنون البلاغة ."إنك ترى المفلقين السحرة في هذا الفن ينفثون الكلام لا على مقتضى الظاهر كثيرا ، وذلك إذا أحلوا المحيط بفائدة الجملة الخبرية وبلازم فائدتها علما ، محل الخالي الذهن عن ذلك لاعتبارات خطابية ، مرجعها تجهيله بوجوه مختلفة" [1] . فهم يقيمون من لا يكون سائلا مقام من يسأل ، إلا أن السكاكي لم ير ذلك ممكنا إلا إذا تحقق في الصياغة أو المقام الخارجي ، ما يدعو إلى هذا الخروج ، كأن توجد قرائن دلالية أو سياقية ، تدفع المتلقي إلى إدراك الغاية والغرض منه ، وإلا يصبح الكلام عبثا بعيدا عن القبول ،"وإنما يصبون لهما في قالب واحد إذا كانوا قدموا إليه ما يلوح مثله للنفس اليقظى بحكم ذلك الخبر ، فيتركها مستشرفة له استشراف الطالب المتحير، يتميل بين إقدام للتلويح ، وإحجام لعدم التصريح ، فيخرجون الجملة إليه مصدرة بأن ، ويرون سلوك هذا الأسلوب في أمثال هذه المقامات من كمال البلاغة وإصابة المحز" [2] . وكذلك"قد ينزلون منزلة المنكر من لايكون إياه ، إذا رأوا عليه شيئا من ملابس الإنكار فيحركون حبير الكلام لهما على منوال واحد .. . ويقلبون هذه القضية مع المنكر ، إذا كان معه ما إذا تأمله ارتدع عن الإنكار ، فيقولون ( مثلا ) لمنكر الإسلام: الإسلام حق ..." [3] .
(1) - المصدر السابق: 171 .
(2) - مفتاح العلوم: 172 .
(3) - المصدر السابق: 174 .