الصفحة 49 من 442

لقد رأى السكاكي أن من الأمور التي تدفع إلى قبول التشبيه"أن يكون المشبه به في التشبيه الاستطرافي نادر الحضور في الذهن لبعد عن التصور ، أو نادر الحضور فيه مع المشبه لبعد نسبته إليه ، فالنفس تتسارع إلى قبول نادر يطلع عليها ، لما تتصور لديه من لذة التجدد ، وتتمثل من تعرية عن كراهة المعاد" [1] . وعلى هذا الأساس أخذ السكاكي يبدي إعجابه حول النصوص ، التي تميل إلى استطراف السامع ومخالفة توقعه ، فيروي في مقام إعجابه بذلك الحكاية المعروفة في حديث حسد جرير لعَدي بن الرقاع:"يحكى أن جريرا قال أنشدني عَدي: عَرَف الديارَ توَهُّما فاعتادهافلما بلغ إلى قوله: تُزجي أغنَّ كأنَّ إبرةَ رَوْقهرحمته وقلت: قد وقع ، ما عساه يقول ، وهو أعرابي جلف جاف ، فلما قال: قلمٌ أصابَ من الدواة مِدادهااستحالت الرحمة حسدا" [2] . وقد ألح عبد القاهر الجرجاني - من قبل - على أن مخالفة التوقع تكون أدخل في دائرة الحسن والقبول من غيرها فـ"مبنى الطباع وموضوع الجبلة على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه ، وخرج من موضوع ليس بمعدن له ، كانت صبابة النفوس به أكثر وكان الشغف منها أجدر" [3] . وفي مقام عدول الكلام عن مقتضى الظاهر ، وعلاقته بتوقع المتلقي ، تبرز أمامنا ظاهرة الالتفات . التي عالجها السكاكي بشيء من التفصيل - لتؤكد الفائدة البلاغية من خروج النسق التعبيري عن توقع المتلقي من ناحية ، وعن النظام المألوف من ناحية أخرى ، حيث إن الالتفات لا يخرج عن هذين الإطارين .

(1) - مفتاح العلوم: 353 .

(2) - المصدر السابق: 343 .

(3) - أسرار البلاغة: 171 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت