فهرس الكتاب
والمتلقي المثالي: وهو الناقد أو ما يسمى بالقارئ العمدة الذي يمتلك أدوات النقد ويتتبع خواص تراكيب الكلام ، ليكشف عن وجوه الاستحسان فيه وأسرار الجمال . وقد أولى السكاكي هذا النمط عناية خاصة ، لأنه من وجهة نظره لا يستطيع أن يتذوق العمل الإبداعي ، ويستمتع به سوى من امتلك الذوق الرفيع والحس الناقد يقول:"وثمن الكلام أن يوفي من أبلغ الإصغاء ، وأحسن الاستماع حقه ، وأن يتلقى من القبول له ، والاهتزاز بأكمل ما استحققه ، ولا يقع ذلك ما لم يكن السامع عالما بجهات حسن الكلام ، ومعتقدا بأن المتكلم تعمدها في تركيبه للكلام عن علم منه..." [1] . ويلح في التأكيد على ذلك وهو بصدد تناوله لاعتبارات المسند من حذف وذكر وتقديم وتأخير وغيره ،"واعلم أن مستودعات فصول هذا الفن لا تتضح إلا باستبراء زناد خاطر وقاد ، ولا تنكشف أسرار جواهرها إلا لبصيرة ذي طبع نقاد، ولا تضع أزمّتها إلا في يد راكض في حلبتها إلى أنأي مدى ، باستفراغ طوق متفوق أفاويق استثباتها بقوة فهم ومعونة ذوق ..." [2] . ونظرة السكاكي إلى المتلقي المثالي تقترب تماما من نظرة"ريفاتير"الذي يطلق عليه مصطلح القارئ المثالي أو الخارق"الذي يتحتم أن يكون واسع الإطلاع ليس فقط بالمعرفة الأدبية والتاريخية المتوفرة اليوم ، وإنما مسلحا بالقدرة على تسجيل كل انطباع جمالي تسجيلا واعيا ، ثم إحالته مرة ثانية إلى بنية فعالة للنص" [3] . والمتلقي الداخلي أو ( الصوري ) : فهو المتلقي الذي يكون في تصور المبدع أثناء عملية الإبداع الفني ، ويتم ذلك إما بتجريد متلق من ذات المبدع فيأخذ في مخاطبته ومحاورته ، أو متلق متصور يستحضره في خطابه ليشاركه في عملية نسج التركيب اللغوي .
(1) - المصدر السابق: 226 .
(2) - مفتاح العلوم: 248 .
(3) - قضايا الحداثة: 206 .