الصفحة 54 من 442

ومما لاشك فيه أن وجود المتلقي الداخلي في الصياغة لا يتعارض مع وجود متلق آخر خارج الصياغة ، بل إن الأخير وجوده قائم بالضرورة ، كي يؤتي العمل الأدبي ثماره . والمتلقي الداخلي وظيفته تعبيرية بالدرجة الأولى ، أو هو"تكنيك"فني يقوم به المبدع كي يفرغ الشحنات الدلالية والانفعالية التي تجيش بها نفسه ، فيضفي بذلك على النص بعدا حركيا ودراميا بالغ الأثر . وحضور المتلقي الداخلي عند السكاكي ، يتضح من خلال تناوله لموضوعات الحذف ، والاستفهام ، والالتفات والفصل والتعريف والتنكير ، فيورد في الالتفات أبيات امرئ القيس: تَطاولَ ليلُكَ بالأثْمُد ونامَ الخَليُّ ولم ترقد وباتَ وباتتْ له ليلةٌ كليلةِ ذي العاثرِ الأَرْمَد وذلك عن نبأ جاءني وخُبّرْنَا عن أبي الأسود حيث التفت من الحكاية إلى الخطاب إلي الغيبة ، ويقول"فعل ذلك منها في التفاته الأول على أن نفسه وقت ورود النبأ عليها ، ولهت وله الثكلى ، فأقامها مقام المصاب الذي لا يتسلى بعض التسلي إلا بتفجُّع الملوك له ، وتحزنهم عليه ، وأخذ يخاطبه بتطاول ليلك تسلية..." [1] .وكذلك يعلق على قول الشاعر: زعم العواذلُ أنني في غمرةٍ صَدَقوا ، ولكن غَمْرَتِي لا تنجلي لم يعطف صدقوا على زعم العواذل للاستئناف ، وقد أصاب المحز ، وذلك أنه حين أبدى الشكاية عن جماعات العذل بقوله"زعم العواذل أنني في غمرة"فكان مما يحرك السامع عادة ليسأل ، هل صدقوا في ذلك أم كذبوا ؟ صار هذا السؤال مقتضى الحال"."

المبحث الثالث: النص

(1) - المصدر السابق:263 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت