الصفحة 58 من 442

غير أن السكاكي بفهمه العميق للوظيفة الجمالية التي تقوم بها البلاغة في الكلام ، وأنها مصدر تحسين وتزيين للأسلوب ، قد نبه على أن هذا التحسين ، وذاك التزويق المضاف لابد أن يخضع لإجراء معين ، كي لا يكون منصلا عن جوهر الأسلوب أو فكرته ؛ ويصبح متكلفا مرفوضا من قبل الآخرين فقال: إن"أصل الحسن في جميع ذلك أن تكون الألفاظ توابع للمعاني ، لا أن تكون المعاني لها توابع أعني: أن لا تكون متكلفة" [1] . أي أن تركيب الكلام ، ونسيجه اللغوي في صورته الإبداعية لا ينعزل عن الفكرة التي يتناولها ، وإنما يأتي خادما لها ومعبرا عنها في بوتقة واحدة ، يتمازج فيها الشكل مع الجوهر ، وهي تمثل أسلوب العمل الأدبي . وبهذا استطاع أن يتجاوز النظرة القائلة بأن الأسلوب طبقة زائدة أو غطاء إضافيا متميزا عن الطبقة الأساسية للنص غير المزينة . وتدعيما لهذا القول نرى أن السكاكي عند تحديده لمفهوم البلاغة يجمع بين الحرص على تأدية المعنى المطلوب ( الفكرة ) كاملا ، وبين العناية بالوسائل التعبيرية اللغوية والمجازية التي يتشكل فيها ، واللذين بهما يتحقق القول البليغ أو ما يسمى بالقول الإبداعي ، فالبلاغة"هي بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حدا له اختصاص بتوفيه خواص التراكيب حقها ، وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها..." [2] ، ويصبح تتبع هذين الخطين في عملية التحليل هو المدخل الصحيح لكشف بنيات العمل الأدبي . ولكن تبرز أمامنا إشكالية: وهي كيف يمكن أن يتسنى لنا أن نميز العناصر الجمالية الإضافية في النص من غيرها ؟ وهذا يدفعنا بدوره إلى مجال"أسلوبية الانحراف"التي ترى أن"الأسلوب هو انحراف عن نموذج آخر من القول ، ينظر إليه على أنه نمط معياري" [3] .

(1) - مفتاح العلوم: 432 .

(2) - السابق: 415 .

(3) - الأسلوبية دراسة لغوية إحصائية، د. سعد مصلوح، دار الفكر العربي، ط2، 1984م: 27 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت