فهرس الكتاب
هكذا كان تصور السكاكي لأسلوب العمل الأدبي انطلاقا من الركائز الثلاث: المبدع والمتلقي والنص . وهو تصور واع بأبعاد التداخل بين هذه العناصر في العملية الإبداعية ، مما يدلل على اتساع أفقه وعمق بصيرته في معالجة القضايا البلاغية والنقدية آنذاك . ويمكننا القول - دون مغالاة - إن السكاكي قد وضع لنا منهجا نقديا حديثا منذ القرن السابع الهجري ، وهو منهج لو تدبرناه جيدا ، وأولناه قسطا من العناية والتطوير ، لأغنانا عن الوقوع في إشكاليات النقد الغربي الحديث ، التي تقترب أحيانا من موروثنا الثقافي الأدبي ، وتبتعد أحيانا كثيرة إلى درجة تجعلنا نقف عاجزين عن تطبيقها على نصوصنا الأدبية . إن السكاكي يرى أن تحليل النص يقوم على تتبع الظواهر الأسلوبية أو ما يسميه (بخواص التراكيب ، فيه - والتي تمثل انحرافا عن البنية العميقة للنص أو ما يسميه( بأصل المعنى ) - فيقوم الناقد بتتبعها ودراسة قيمها الجمالية ، ودرجة انحرافها ، وكثافتها الدلالية ، أو بعبارة أخرى شعريتها في النص . وذلك من خلال مقارنتها بالبنية العميقة للنص ، ثم انعكاس هذه الظواهر على مرآة المتلقي وما تحدثه من ردود فعل قوية ، تنتهي بشعوره بالمتعة الفنية والإعجاب . وكل ذلك مع ارتباط النص بمبدعه الذي ينبغي أن يكون حاضرا في ذهن الناقد عند التحليل ، لربط أي انحراف لغوي بمقصده ونيته . فالعناصر الثلاثة ( المبدع ، المتلقي ، النص) حاضرة عند السكاكي في التحليل الأسلوبي ، وإن كان المتلقي يحتل مكانة متميزة من بينها . وهو على حق في ذلك ، لأنه إذا كان المبدع يمثل محور العمل الأدبي عند الإنتاج ، فالمتلقي يمثل محور العمل الأدبي عند التحليل والكشف .