الصفحة 61 من 442

ومما يلاحظ أن السكاكي في جميع إشاراته البلاغية ، وتحديداته لبعض القضايا والأساليب كان يجمع بين العناصر الثلاثة ، دون أن يغيب واحدا منها ، فالمصطلح الذي استخدمه في تعريف علم المعاني"مطابقة الكلام لمقتضى الحال"يعنى عنده حال المتكلم ، وحال السامع ، والسياق الداخلي والسياق الخارجي - كما أشرنا إلى ذلك في الصفحات السابقة - وكذلك قوله ( لكل مقام مقال ) يراعي هذه المبادئ الأساسية في التحليل ، وسنوضح ذلك من خلال النموذج التطبيقي الذي سنورده له . ومن الجدير بالذكر أنه عندما دعا إلى ضرورة حضور المبدع في ذهن المتلقي أثناء التحليل ، لا يقصد ، بذلك ، حشد المعلومات الثقافية والاجتماعية والتاريخية التي كانت تحيط به، وإنما يقصد حضوره في مستوى فني معين ، إما أن يكون على وجه الحقيقة ، وإما أن يتخيله المتلقي ويشكله بما يتبدى لديه في العمل من خصائص وسمات ، أي أن يكون لديه - كما يقول - اعتقاد معين فيه عند التحليل . ومن هنا فهو يخالف التحليل الاجتماعي أو النفسي للأدب والتفسيرات العقيمة التي ضاقت بها كتب النقد قديما وحديثا . فلا يريد أن نتتبع حياة المبدع وظروفه في الخارج لنبحث عن مطابقة لها في الداخل . وإنما يسعى إلى أن المبدع بقدر ما يكون مستواه الفني وعبقريته في الإنتاج ، تكتسب العناصر الفنية والأسلوبية قيمها الدلالية والجمالية . وبهذا يكون قد تجاوز مغالاة أصحاب أسلوبية الإنتاج ، وفي الوقت نفسه تجاوز أسلوبية التلقي ، وكذلك الأسلوبية التعبيرية الوصفية وغيرها ، فجمع بين المستويات الثلاثة بنسب متفاوتة تتفق وعملية التحليل الأسلوبي .أنموذج قرآني للتحليل"الأسلوبي": يذكر السكاكي على سبيل الأنموذج الآية الكريمة"وقِيلَ يا أرضُ ابلعي ماءَك ، ويا سماءُ أقلعي ، وغِيضَ الماءُ ، وقُضي الأمرُ ، واستوتْ على الجودي ، وقِيل بُعدا للقوم الظالمين" ( سورة هود آية 44 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت