فهرس الكتاب
وفي الواقع أن السكاكي لم يعط المستويين الأخيرين حقهما من التحليل والدقة ، وكان يعوزه أن يكشف عن وجوه التناسق الصوتي والدلالي كل في موضعه دون أن يطلق الأحكام بصورة عامة . وبقي علينا أن نشير إلى أن السكاكي قد تناول في تحليله الأسلوبي آية واحدة من القرآن الكريم . وقد يرى البعض أن الأمر يتطلب منه أن يتناول سورة كاملة أو عدة آيات تتناول موضوعا معينا ، كي يكشف عن بنيتها الكلية ، وتشابك العلاقات النحوية والدلالية بين عناصرها ، كما كشف عن بنيتها في صورتها الجزئية لكن على الرغم من أهمية هذه الملاحظة، فإن موقف السكاكي يمكن أن يبرر - هنا - من ناحيتين: الأولى: أن الآية وإن كانت تمثل آية واحدة ، فإنها تناولت ثماني جمل نحوية مترابطة على مختلف المستويات ، كما أنها تروي - بإيجاز محكم - قصة كاملة لحدث الطوفان ، مما يجعلها تقوم مقام بنية النص الواحد . والأخرى: تتمثل في أن السكاكي كان يطالب بذلك لو أنه بصدد دراسة تطبيقية ، لكنه معنى بالتنظير ، ومن هنا يكون الاجتزاء هو الأداة الإجرائية المناسبة . وقد أدرك السكاكي هذا الموقف التنظيري الذي يعنى بوضع الأسس والأصول ، دون الإغراق في التفصيلات الدقيقة والشاملة للظاهرة ، فترك الباب مفتوحا أمام إمكانات النقاد والبلاغيين في معالجة القضايا البلاغية والأسلوبية التي يتناولونها انطلاقا من تلك الأسس والمبادئ ، لذا يقول:"ولا تظنن الآية مقصورة على ما ذكرت فلعل ما تركت أكثر مما ذكرت ، لأن المقصود لم يكن إلا مجرد الإرشاد لكيفية اجتناء ثمرات علمي المعاني والبيان" [1] .
(1) - مفتاح العلوم: 421 .