فهرس الكتاب
أما في الشعر فإن الكلمة تفقد كثيرا من دلالتها المألوفة لتكتسب بدخولها السياق الشعري دلالات جديدة ، قد تحمل بعضا من دلالاتها الأولى ، وقد تكون مغايرة لها تماما ، فالشعر"يحول الكلمة من دال ومدلول مصطلح عليهما إلى دال ومدلول آخرين ، فعندما تدخل الكلمة في نسيج الشعر تصبح دالا لمدلول آخر يختلف عن المدلول المتعارف عليه" [1] . والآن في ضوء التصورات السابقة لمركبي العلامة اللغوية ، نلقي الضوء على فكر السكاكي حول تعريف الدال والعلاقة التي تربط بينه وبين مدلوله ، ومدى تقارب رؤيته أو تباعدها من غيرها من الرؤى الحديثة . يحدد السكاكي بداية أن الكلمة"هي اللفظة الموضوعة للمعنى مفردة ، والمراد بالإفراد أنها بمجموعها وضعت لذلك المعنى دفعة واحدة" [2] . وهذا القول تنتج عنه ملاحظتان: الأولى: أن الكلمة لا تخضع في ترتيب وحداتها الصوتية ( الفونيمات ) لاختيار المتكلم ، وأنها غير قابلة للتجزيء ، وإنما تكون في مجملها وحدة لغوية واحدة تحمل معنى محددا . والملاحظة الثانية: تتمثل في أن الكلمة لا تدل على معناها إلا بالتواضع ، أو ما يسميه البعض بالتواطؤ بين أصحاب اللغة الواحدة . وأن ذلك ضرورة لغوية كي يتم التفاهم بين الناس"إن اللفظة تمتنع أن تدل على مسمى من غير وضع ، فمتى رأيتها دالة لم تشك في أن لها وضعا" [3] . ومفهوم الوضع عند السكاكي يعني"تعيين الكلمة بإزاء معنى بنفسها" [4] . دون الحاجة إلى قرينة أو ما شابه ذلك . وكون الرمز موقوفا على التواضع فإن ذلك يحمل في دلالته عدم وجود علاقة طبيعية أو منطقية بين اللفظ والمعنى أو بين الدال والمدلول ، أي أن العلاقة بينهما اعتباطية كما أطلق عليها"سوسير".
(1) - النظرية الألسنية عند جاكوبسون ، فاطمة الطبال بركة ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ، بيروت، ط1 ، 1993م: 59 .
(2) - مفتاح العلوم:9 .
(3) - مفتاح العلوم: 359 .
(4) - السابق: 358 .