فهرس الكتاب
وقد استطاع السكاكي أن يبرهن على انتفاء العلاقة الطبيعية المبررة بين الدال والمدلول بعدة أوجه حصرها في قوله:"إن دلالة اللفظ على مسمى لو كانت لذاته ، كدلالته على اللافظ ، وأنك لتعلم أن ما بالذات لا يزول بالغير ، لكان يمتنع نقله إلى المجاز وكذا إلى جعله علما ، ولو كانت دلالته ذاتية ، لكان يجب امتناع أن لا تدلنا على معاني الهندية كلماتها ، وجوب امتناع أن لا تدل على اللافظ لامتناع انفكاك الدليل عن المدلول ، ولكان يمتنع اشتراك اللفظ بين متنافيين ، كالناهل: للعطشان وللريان ..." [1] . ، وقد ألمح الدكتور/ عبدالسلام المسدي إلى سبق السكاكي في التدليل على اعتباطية العلاقة بين مركبي العلامة اللغوية ، عندما اعتبر الكلام صناعة من الصناعات التي تكتسب بالارتياض والذوق"وفي هذا المسار يشير ( السكاكي ) بومضة علمانية صريحة إلى أخص خصائص الجهاز اللساني عامة ، مما نحن بصدده ألا وهو سمة الاعتباط حيث يقول ( إن الكلام صناعة مستندة إلى تحكمات وضعية واعتبارات إلفية ) فحوصل بصريح العبارة مبدأ التعسف والاعتباط في روابط الدلالة اللغوية ، ابتداء كما ألمح إلى مبدأ التعود والارتياض بهذا الذي هو تحكم واعتباط في أصل نشأته" [2] . وفي الواقع أن السكاكي كان امتدادا لأفكار وفلسفات سابقة عليه تناولت العلاقة اللغوية بين الدال والمدلول ، فالفارابي يؤكد أن الألفاظ"ليست تحاكي شيئا من المعاني أصلا ولا عرضا من أعراضه" [3] . ،
(1) - السابق: 357 .
(2) - التفكير اللساني في الحضارة العربية ، د .عبد السلام المسدي ، الدار العربية للكتاب ، طرابلس ،ط2 ، 1986م: 108 .
(3) - شرح الفارابي لكتاب أرسطو طاليس في العبارة ، نشره وقدم له ولهام كوتش اليسوعي وستانلي مارو اليسوعي ، المطبعة الكاثوليكية ، بيروت ، 1960:51 .