فهرس الكتاب
فـ"لا توجد لغة تخلو من العناصر المسببة ، مثل المحاكاة الصوتية وغيرها ، أما أن نتصور لغة كل شيء فيها مسبب فإن ذلك مستحيل ، وبين هذين الطرفين - حيث نجد الحد الأدنى من التنظيم والحد الأدنى من التعسف- تتدرج إمكانات كثيرة وتحتوي مختلف اللغات دائما على كلا النوعين من التعسف المبدئي ، والسببية النسبية ، لكن بمقادير ونسب متنوعة" [1] . ولا ننسى أن ننوه أخيرا إلى أن السكاكي قد أشار أيضا إلى حتمية التلازم بين الدال والمدلول . وأنه - عنده - كالمسلمة التي لا تقبل الشك أو التأويل . لذلك كان حديثه عنها غير مباشر . وجاءت بطريقة عرضية عندما تحدث عن اعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول فيقول"ولو كانت دلالته ( اللفظ ) ذاتية ، لكان يجب امتناع أن لا تدلنا على معاني الهندية كلماتها ، وجوب امتناع أن لا تدل على اللافظ لامتناع انفكاك الدليل عن المدلول" [2] . ومما غاب عن السكاكي في هذا المضمار هو العلاقة بين العلامة اللغوية والصورة الذهنية ، وكيفية استحضار المعنى في الذهن ، وما هي الحركة الذهنية التي تتم انطلاقا من الإشارة الصوتية ، لكن يحيى بن حمزة العلوي وهو بلا شك من اتباع السكاكي قد أشار إلى أن العلاقة تكون بين اللفظ والصورة الذهنية لا بينه وبين الشيء الخارجي ، وأن الألفاظ تتبع بالضرورة ما يثار في الذهن من صور وأخيلة فيقول"الحقيقة في وضع الألفاظ إنما هو للدلالة على المعاني الذهنية دون الموجودات الخارجية ... فإطلاق الألفاظ إنما يكون باعتبار ما يحصل في الذهن ، ولهذا فإنه يختلف باختلافه" [3] .
(1) - نظرية البنائية: 40 .
(2) - مفتاح العلوم: 356 .
(3) - كتاب الطراز ليحيى بن حمزة العلوي، راجعه وضبطه جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية ، بيروت، ج1 ،1980م: 36 .