فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 43

قال ابن العربي في مفاضلة سورة الإخلاص على آية الكرسي:"إنها سورة-أي سورة الإخلاص- وهذه آية، فالسورة أعظم من الآية، لأنه وقع التحدي بها، فهي أفضل من الآية التي لم يتحدّ بها" [1] .

وقد أورد ابن حزم على هذا القول اعتراضا مفاده:

أنهم إن قالوا سورة تامة لا أقل لزمهم أن سورة البقرة حاشا آية واحدة أو كلمة واحدة من آخرها أو من أولها ليست معجزة، وهكذا كل سورة من السور الطوال وغيرها، فهل معنى ذلك أن هذه السور التي نقصت آية أو كلمة مقدور على مثلها؟ [2]

الترجيح: الذي يظهر لي- والله أعلم- أن الراجح هو القول الثالث، وأن التحدي يقع بكل سورة بكمالها، وينبغي أن نفرق بين ( معجز ) وبين ( معجز وقع به التحدي) ، فنصوص الآيات حددت (سورة) في أقل مراحل التحدي فيجب أن نقف مع النص دون قياس السورة بما يقابلها من عدد الحروف، أو الكلمات، أو الآيات، وذلك لأن مقابلة السورة بواحدة من هذه الثلاث بحاجة لبينة وبرهان.

... ولا يفهم من ذلك أن البشر يمكن لهم أن يأتوا بآية كآية الدين، أو بسورة كسورة البقرة، سوى آية منها كما أشار ابن حزم، لأن ذلك ليس بوسعهم حسبما تواترت الأخبار، فهي معجزة لكن لم يقع التحدي بها.

ويعلم إعجاز ما دون السورة بعجز الناس عن الإتيان بمثله دون أن نقول: إن التحدي وقع به، فقد حكى أبو عبيدة: أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ: (فاصدع بما تؤمر...) [3] فسجد وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام [4] ، ومن كان أعرف بالعربية وفنون بلاغتها كان أعرف بإعجازه.

فإذا كانت آية الدين أعجزتهم فهي معجزة لم يقع بها التحدي ، واذا كانت اللفظة أو اللفظتان أو الثلاثة لم تعجزهم عن الإتيان بمثلها قلنا: إنها غير معجزة ولم يقع بها التحدي .

(1) الزركشي، البرهان (1/524) مرجع سابق ، ولم أجده في أحكام القرآن لابن العربي .

(2) انظر: ابن حزم ، الفصل ( 3/13 ) مرجع سابق .

(3) ( الحجر: 94 ) .

(4) أعلام النبوة (ص: 102) ، مرجع سابق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت