فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 43

غير أن بعض العلماء اكتفى بالنظم دون المعنى، ومن ذلك ما ذكره الرازي الجصاص بعد إيراده قوله تعالى: ( فأتوا بعشر سور مثله ... ... ) [1] ، قال:"فتحداهم بالنظم دون المعنى في هذه السورة وأظهر عجزهم عنه فكانت معجزة" [2] .

والذي أشكل على هؤلاء ودعاهم إلى القول بإعجاز النظم دون المعنى أن معاني القرآن لا يمكن الإحاطة بها، قال الزركشي:"وقال بعض الأئمة: ليس الإعجاز المتحدى به إلا في النظم، لا في المفهوم، لأن المفهوم لم يمكن الإحاطة به، ولا الوقوف على حقيقة المراد منه، فكيف يتصور أن يتحدى بما لا يمكن الوقوف عليه، إذ هو يسع كل شيء، فأي شيء قوبل به أدّعي أنه غير المراد" [3] .

ويرد على هؤلاء أن النظم تظهر قيمته بما يحمل من المعاني التي هي دلالات على المراد، والصواب أن المعاني تابعة للنظم لا تنفصل عنه، لذا أشار العلماء إلى تلازم المعنى والنظم كما في قول ابن عطية السابق وغيره من أقوال العلماء [4] ، قال شارح العقيدة الطحاوية:"وإعجازه من جهة نظمه ومعناه لا من جهة أحدهما فقط" [5] .

إذن فالوجه المختار الذي وقع به التحدي هو نظم القرآن وما يتصل به من البلاغة والبيان، فهو الذي دلت عليه آيات التحدي: ( فأتوا بعشر سور مثله) [6] ، ولا يراد من اختيار هذا الوجه ردّ وجوه الإعجاز الأخرى كالإعجاز العلمي، أو الغيبي، أو التشريعي، ... الخ، فما صحّ منها يعد وجها من وجوه إعجازه إلا أنه لم يقع به التحدي.

(1) (هود: 13) .

(2) ( ( الرازي، أحمد بن علي الجصاص(1/33) ، مرجع سابق .

(3) الزركشي، البرهان (2/109) ، مرجع سابق.

(4) انظر: أبا السعود، محمد بن محمد العمادي، تفسير أبي السعود المسمى"إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" (2/496) ، دار الفكر، لم تذكر الطبعة ولا سنة الطبع.

(5) ابن أبي العز، شرح العقيدة الطحاوية (ص:202) ، مرجع سابق .

(6) (هود: 13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت