فهرس الكتاب
وهناك فرق بيِّنٌ واضح بين (معجز) و (معجز وقع به التحدي) ، فما وقع به التحدي نظمه وبيانه، وهو محل اتفاق العلماء، أما وجوه الإعجاز الأخرى ففيها بين العلماء خلاف، ووجه إعجازه لا يختلف فيه، فلربما يقابل الإعجاز النفسي بخطبة خطيب مفلق يؤثر في قلوب مستمعيه فيبكيهم ثم يضحكهم. قال ابن القيم:"وقد اعترض هذا القول بأن جماعة من أرباب القلوب وذوي الاستغراق في بديع أوصاف المحبوب حصل له من سماع بعض الأشعار ما أخرجه عن طوره وربما مات على فوره" [1] .
وقد يقابل القالب الشكلي (نقض العادة) بما أتى به مسيلمة من الحماقات على وزن القرآن، أو يقال: إن الشعر الحر المعروف لدينا الآن يغاير ما ألفه العرب من الشعر المنظوم أو النثر، ففيه نقض للعادة على زعمهم ، ومن الوجوه المختلف فيها: الإعجاز العلمي، والإعجاز العددي- إن جاز تسميته بذلك-، فالمعجز المتحدى به لا بد أن ينتهي إلى حد لا يبقى معه لبس ولا ريب، بل يقطع به يقينا من غير تردد ولا شك، لذا قلنا بإعجازه بالنظم والبيان.
وأيضا فعند مراجعة كتب التفسير والتاريخ والأدب نجدها تروي معارضات عورض بها القرآن كالذي نسب إلى مسيلمة وسجاح، وأبي العلاء، وكلها محاولات فاشلة لمعارضة نظم القرآن، بيد أننا لا نجد نصا واحدا يعارض القرآن بوجوه الإعجاز الأخرى، مما يدل على أن فهم المعارضة: معارضة النظم لا غير.
وهذا الذي قررناه من أن التحدي وقع بوجه واحد دون غيره، قال به العلماء قديما وحديثا، وأكتفي بعرض قول اثنين، أحدهما من السابقين وهو الخطابي، والآخر من المحدثين وهو الأستاذ محمود شاكر.
أما الخطابي [2] ،
(1) ابن القيم، الفوائد المشوق إلى علوم القرآن (ص: 384) مرجع سابق.
(2) أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي، صاحب التصانيف، إمام ثقة فقيه زاهد كان من أوعية العلم، توفي سنة: (388: هـ) .
انظر: الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء (17/23) ، مؤسسة الرسالة -بيروت ( ط 9/1413هـ) ، تحقيق ( شعيب الأرناؤوط، ومحمد نعيم ) ، والسيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، طبقات الحفاظ، ( ص: 404) ، دار الكتب العلمية -بيروت، ( ط1/1403 هـ) .