فهرس الكتاب
لكن الله أراد أن يبتليهم بهذه الصخرة، فلم يتوسلوا بالذوات وبالمخلوقين، ولكنهم توسلوا إلى الله، وقبل الله توسلهم بأعمالهم الصالحة التي عملوها خالصة لوجه الله.
فتوسل الأول إلى الله ببر الوالدين، وبر الوالدين نعم العمل الصالح: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] فجعل الله تبارك وتعالى أعظم حق بعد حقه تعالى -وهو توحيده- هو حق الوالدين, فكذلك أعظم ذنب بعد الشرك بالله هو عقوق الوالدين، وعندما سئل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أيُّ الذنب أعظم؟ قال: الشرك بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: عقوق الوالدين } فهذا أعظم حق يراعى، وإن أهدر فهو أعظم حق أهدر بعد حق الله.
فتوسل إلى الله ببر الوالدين، وتضرع إلى الله: { اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك وخالصًا لوجهك الكريم فافرج عنا ما نحن فيه، ففرجت قليلًا }
وتوسل الثاني وتضرع إلى الله بالعفة عن الزنا، لأنه كان له ابنة عم ذات منصب وجمال، وكان يريدها على الفاحشة، ولكنها امتنعت منه، حتى جاءت واحتاجت إليه، فأعطاها الدنانير، وقعد منها مقعد الرجل من أهله فذكرته بالله، فاتقى الله، وتركها لوجه الله.
وهذا العمل لا يضيع عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فذرة من العمل لا تضيع، إن كان خيرًا وجده.
وإن كان شرًا وجده، فهذه العفة عما حرم الله، وهذا العزوف عما نهى الله تبارك وتعالى عنه، وحجز النفس عن الشهوات المحرمة، نفعه في وقت هو أحوج ما يكون إلى المنفعة، فسأل الله: { يا رب! إن كنت فعلت ذلك خالصًا لوجهك الكريم؛ فافرج عنا ما نحن فيه، ففرجت قليلًا } أكثر من الأول، غير أنهم لا يستطيعون الخروج.
وهذا الحديث عظيم، ويحتاج إلى درس بل دروس بالنسبة لما فيه من الآيات والعبر: بالنسبة لحقّ الوالدين، ثم بالنسبة لترك ما حرم الله تبارك وتعالى، وأثر ذلك في الخير والنعمة والبركة. ثم يأتي النوع الثالث.