وخلال عملية الإحلال أو الإزاحة هذه قد يقع النص في ظل نص أو نصوص أخرى، وقد يتصارع مع بعضها، وقد يتمكن من الإجهاز على بعضها الآخر، وتترك جدليات الإحلال والإزاحة هذه بصماتها على النص .. وهي بصمات هامة توشك معها فاعلية النص"المزاح"ألا تقل في أهميتها وقوة تأثيرها على فاعلية النص"الحال"الذي احتل مكانة أو شغل جزءًا من هذا المكان .. لأن النص"الحال"قد ينجح في إبعاد النص"المزاح"أو نفيه من الساحة ولكن لا يتمكن أبدًا من الإجهاز عليه كلية أو من إزالة بصماته عليه". (13) "
ومعنى هذا أن النصوص كلها -القديمة والحديثة- ترتبط بوشائج قربى حيث لا يمكن إفلات النص الحالي من اتصاله بالنصوص السابقة.
إن موضوع التناص من الموضوعات التي استهوتني مؤخرا خاصة بعد تضمينه كتابي (نونية ابن زيدون بين التأثير والتأثر) فزاد شغفي حتى وجدت ضالتي في شعر جمال الدين بن نُباتة أمير شعراء المشرق في تلك الفترة الزمنية، وقد كنت جعلت بحثي في التناص الديني في شعر الشاعر المذكر إلا أنني حوَّلت الدَّفة إلى (التناص القرآني) حتى يمكن معالجته بطريق فنية سليمة حيث مثَّل القرآن الكريم مادة غنية في شعر الشاعر، وأردتُ إبراز هذه السمة التي اتصف بها شعره ورفع الظلم عن عصره -العصر المملوكي- لما اتُّهِم به من أنه عصر تخلُّف وركود حتى ذهب بعض النقاد والباحثين إلى أن هذا العصر قد جَمُدَ فيه الإبداع، وغير ذلك من نعوت وأوصاف كان سببها قلة ما وصل إلينا من نصوص- شعرية ونثرية - فُهِمَ من خلالها أن هذا العصر قد طُمس بمعالم التخلف، ولكن من يُنقب عن العصر وعن شُعرائه يجد أنه قد حوى بعض الشعراء الجادين المتميزين-شأن أي عصر- أمثال جمال الدين بن نُباتة المصري، وصفي الدين الحلي، وعفيف الدين التلمساني، وغيرهم من الشعراء.