الصفحة 6 من 36

يشكل القرآن الكريم مادة غنية للشعر والشعراء في العصر المملوكي ، ولا سيما المديح النبوي والرثاء ، حيث شكل القرآن الكريم عند جمال الدين بن نُباتة المصري مرجعًا فكريًا لتداخله مع النصوص الشعرية في علاقات تناصية كثيرة ، على اعتبار أنه محور العلوم والمعارف ، واستقى منه الشاعر ما يُقوي شعره ويدعمه في كثير من المناسبات العامة والخاصة ، حيث كان القرآن الكريم رمزًا للمثل والقدوة والعظة في بعض الأحيان ، والنصوص القرآنية قادرة -بلا شك- لإلهام الشاعر لما تحويه من معان متجددة ، فكان استدعاء الشاعر لآي القرآن الكريم أو ألفاظه أو قصصه أو أحداثه أو شخصياته (15) أحد السبل التي جعلته يرتقي بشعره ، وكانت هذه الاستدعاءات - رغم انتقالاتها الزمانية والمكانية- لها رؤية خاصة عنده ، حيث ألبسها في ثوبها الجديد حسبما ارتأى ، وتوظيف النصوص الدينية -القرآنية خاصة- في الشعر يُعد من أنجح الوسائل ، وذلك لخاصة ذهنية في هذه النصوص تلتقي وطبيعة الشعر نفسه ، وهي أنها مما ينزع الذهن البشري لحفظه ومداومة تذكره ، فلا تكاد ذاكرة الإنسان في كل العصور تحرص على الإمساك بنص إلا إذا كان دينيًا أو شعريًا (16) .

وظاهرة التناص القرآني"تنفرد بها الثقافة العربية وتؤثر في حركية عملية تشابك العلاقات التناصية فيها ، فلا تعرف الثقافات الأخرى مثل هذا النص الأب ، النص المثال ، النص المسيطر ، النص المطلق ، النص المقدس...." (17) ، بالإضافة إلى كونه النص المتفرد في إعجازه البلاغي.

وقد ظهر التأثير القرآني منذ صدر الإسلام ، وأشار ابن رشيق القيرواني إلى ذلك الأثر -التناص- في الشعر المنسوب إلى الإمام على بن أبي طالب - رضي الله عنه - في قوله (18) :

فَلَو كُنْت بَوَّابًا عَلَى بَابِ جَنَّةٍ ... لَقُلْتُ لِهَذَانِ: ادْخُلُوا بِسَلاَمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت