الصفحة 7 من 36

وهذا التأثير لم يكن بصورة لافتة للنظر في ذلك العصر ، لأنه كانت علاقة قريبة بين القرآن والشعر - كما ظهرت ملامح هذا التأثير بصورة جلية في العصر الأموي وما بعده ، وقد روى الثعالبي أنه قد"أتى الحجاج برجل من الخوارج وأمر بضرب عنقه فقال: إن رأيت أن تؤخرني إلى غد فافعل فقال:"

عَسَى فَرَجٌ يَأْتِيِ بِهِ اللهُ إِنَّهُ ... لَهُ كُلّ يومٍ في خَلِيفَتِهِ أَمْرِ

فقال الحجاج: انتزعه من قوله تعالى { يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } وأمر بتخلية سبيله (19) ، وظهر التناص جليًا في شعر العصر العباسي ، خاصة عند أبي العتاهية في قوله (20) :

أَتَتْهُ الخِلاِفَةُ مُنْقَادَةٌ ... إِلِيه تُجَرِّرُ أَذْيَالَهَا

فَلَمْ َتكُ تَصْلُحُ إِلاَّ لَهُ ... وَلَم يَكُ يصلحُ إلاَّ لِهَا

وَلَوْ رَامَهَا أحَدٌ غَيْرُهُ ... لَزُلزِلتِ الأرضُ زِلْزَالها

ومن ثم ندرك أن استرفاد مفردات من النص القرآني في شعر العصر المملوكي أصبح من الوسائل التي لجأ إليها الشعراء في تلك الحقبة وقد"نبه أئمة البيان وعلماء البلاغة في مؤلفاتهم إلى أهمية حفظ القرآن الكريم والمداومة على استخدام ألفاظه وعباراته ، وممارسة حلها أو نثرها فيما يكتبون لتكتسب أساليبهم رونقًا وتعلوها طلاوة (21) ."

وأدرك ضياء الدين بن الأثير أثر القرآن الكريم ، واهتمام الشعراء به وكفى به"وحده آلة وأداة في استعمال أفانين الكلام ، فعليك أيها المتوضح -الشاعر- لهذه الصناعة بحفظ القرآن الكريم والفحص عن سره وغامض رموزه وإشاراته" (22) مما يشير لأهمية الثقافة القرآنية لغة ودلالة.

وهذه النصائح متتالية من عصر إلى عصر ، فهذا شهاب الدين محمود -معاصر ابن نُباتة- يعطي نصائحه للأديب بأن"يحفظ كتاب الله تعالى وملازمة درسه ، حتى يبقى مصوَّرًا في فكره ويظل دائرًا على لسانه ، وسينتفع به في كل ما يعرض له" (23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت