وكُلُّ هذا الكَلامِ الَّذي ذَكَرَهُ اللهُ - مِنْ أَنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ وأَنَّهُ مَعَنا - حَقٌّ على حَقيقَتِهِ، لا يَحْتاجُ إِلى تَحْريفٍ، ولكنْ يُصانُ عَنِ الظُّنُونِ الكاذِبةِ [1]
(1) قولُه: (حقٌّ على حقيقَتِه) : فيَجِبُ اعتقادُه والإيمانُ به لِتَواطُؤِ الأدلَّةِ على إثباتِه، والحقُّ في اللُّغةِ: هُوَ الثَّابِتُ الذي لا يُسَوَّغُ إنكارُه، وفي اصطلاحِ أهلِ المعاني: هُوَ الحُكمُ المطابِقُ للواقِعِ، يُطلَقُ على الأقوالِ والأديانِ والعقائدِ والمذاهِبِ باعتبارِ اشتِمالِها على ذَلِكَ، ويُقابِلُه الباطلُ، انتهى، تعريفاتٌ.
قولُه: (حقيقتِه) الحقيقةُ اسمٌ لما أُريدَ به ما وُضِعَ له، فعيلةٌ مِن حَقَّ الشَّيءُ إذا ثَبَتَ، بمعنى فاعِلِه، وفي الاصطلاحِ: هُوَ كلمةٌ مستعمَلةٌ فيما وُضِعَتْ له في اصطلاحِ التَّخاطُبِ به.
قولُه: (ولكنْ) حرفُ استدراكٍ.
قولُه: (يُصانُ) أي: يُحفَظُ، يقالُ صَانَه يَصُونُه صِيانةً أي حَفِظَه.
قولُه: (مِن الظُّنونِ الكاذبةِ) الظَّنُّ مَصْدرٌ مِن بابِ قَتَلَ، وهُوَ خلافُ اليَقِينِ، قاله الأزهريُّ وغيرُه، وقد يُستعمَلُ بمعنى اليَقِينِ كقولِه سبحانَه: (الَّذِينَ يَظُنَّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ اللَّهِ) الآيةَ.
قولُه: (وكُلُّ هَذَا الكَلامِ حَقٌّ على حقيقتِه) إلخ. هَذَا إشارةٌ للردِّ على المعطِّلةِ مِن الجهميَّةِ والمعتزِلةِ وأشباهِهم الذين يَزعمُونَ أنَّ ما جاءَ مِن ذِكرِ فَوقِيَّتِه وعُلُوِّه واستوائِه على عرشِه ليس بحقيقةٍ، وإنَّما هُوَ مجازٌ، وما زَعموه باطلٌ مصادِمٌ لأدلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ الصَّحيحةِ الصَّريحةِ، وإجماعِ السَّلَفِ على أنَّ ذَلِكَ حقيقةٌ كما يَلِيقُ بجلالِ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ- وعظَمَتِه.
قال ابنُ القيِّم -رَحِمَهُ اللَّهُ- في"الصَّواعِقِ": وممَّا ادَّعَوْا فيه أنَّه مجازٌ (الفَوقِيَّةُ) وساقَ أدلَّةً كثيرةً في إثباتِ الفَوْقيَّةِ الكاملةِ مع جميعِ الوجوهِ، منها أنَّ الأصلَ الحقيقةُ، والمجازُ على خلافِ الأصلِ، ومنها أنَّ الظَّاهِرَ خلافُ ذَلِكَ، ومنها أنَّ الاستعمالَ المجازِيَّ لا بدَّ فيه مِن قرينةٍ تُخرجُه عن حقيقتِه فأَيْنَ القَرينةُ في فوقيَّةِ الرَّبِّ؟ وقال أبو عُمرَ الطلمنكيُّ: أَجْمعَ أهلُ السُّنَّةِ على أنَّ اللَّهَ استوى على عَرشِه على الحقيقةِ لا على المجازِ.
وقالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ -رحمَه اللَّهُ-: وهَذَا كتابُ اللَّهِ مِن أوَّلِه إلى آخِرِه وسُنَّةُ رسولِه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- وكلامُ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ وسائرِ الأئمَّةِ مملوءٌ بما هُوَ نَصٌّ أو ظاهرٌ أنَّ اللَّهَ فوقَ كُلِّ شيءٍ، وأنَّه فوقَ العرشِ، وأنَّه العَليُّ الأعلى، وأنَّه مستوٍ على عرشِه، وساقَ أدلَّةً كثيرةً في إثباتِ ما ذُكِرَ وأنَّه حقيقةٌ، وإبطالِ ما زَعَموه مِن المجازِ، وقد تكاثَرَت الأدلَّةُ في ذَلِكَ، وأَجْمعَ على ذَلِكَ السَّلَفُ، ودلَّ على ذَلِكَ أيضًا دَليلُ العقلِ، وليس مع مَن خالَفَ سِوى الظُّنونِ الكاذبةِ والشُّبَهِ الفاسدةِ التي لا يُعارَضُ بها ما دلَّ عليه نصوصُ الوحيِ والأدلَّةِ العقليَّةِ، وقد ذَمَّ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ- الظَّنَّ المجرَّدَ وأهلَه فقال: (إنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ) (وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِن الْحَقِّ شَيْئًا) وفي الصَّحيحِ أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فإنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ) ).
وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: النُّفاةُ للعُلُوِّ ونحوِه مِن الصِّفاتِ مُعترِفون بأنَّه ليس مستَنَدَهم خبرُ الأنبياءِ، ولا الكتابُ، ولا السُّنَّةُ، ولا أقوالُ السَّلَفِ الصَّالِحِ، ولا مستَنَدَهُمْ فِطرةُ العقلِ وضرورتُه، ولكنْ يقولون معنا النَّظَرُ العقليُّ، وأمَّا أهلُ السُّنَّةِ المُثبِتون للعُلُوِّ فيقولون: إنَّ ذَلِكَ ثابتٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، مع فِطرةِ اللَّهِ التي فَطَرَ العِبادَ عليها، وضرورةِ العقلِ مع نَظرِ العقلِ واستدلالِه. انتهى.
وقولُه: (لا يحتاجُ إلى تحريفٍ) : إشارةٌ للرَّدِّ على المُعطِّلةِ الذين حرَّفُوا الأدلَّة وسَمَّوْا تحريفَهم تأوِيلا، تَرْوِيجًا على الجُهَّالِ، وهُوَ في الحقيقةِ تبديلٌ وتغييرٌ لكلامِ اللَّهِ ورسولِه، فإنَّ ما جاء مِن الأدلَّةِ في إثباتِ العُلُوِّ والفَوقِيَّةِ وغيرِ ذَلِكَ مِن الصِّفاتِ صريحُ اللَّفظِ، واضِحُ المعنى، نَصٌّ في معناه لا يَحتمِلُ التَّأويلَ.