الصفحة 161 من 233

كَما قالَ تَعالى: ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسيرٌ ) ، وقالَ: ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسيرٌ ) ، وهذا التَّقْديرُ التَّابِعُ لِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ يَكُونُ في مَواضِعَ جُمْلَةً وتَفْصيلًا فقدْ كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفوظِ مَا شَاءَ. وإِذا خَلَقَ جَسَدَ الجَنينِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فيهِ؛ بَعَثَ إِليهِ مَلَكًا، فيُؤمَرُ بأَرْبِعِ كَلِماتٍ، فيُقالُ لهُ: اكْتُبْ: رِزْقَةُ، وأَجَلَهُ، وعَمَلَهُ، وشَقِيٌّ أَمْ سَعيدٌ. ونحوَ ذلك. [1]

(1) قولُه: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ) أيْ: مِن قَحْطٍ وقِلَّةِ نباتٍ وقِلَّةِ ثِمارٍ.

قولُه: (ولا في أَنْفُسِكُمْ) مِن أمراضٍ وفَقْدِ أولادٍ ونحوِ ذَلِكَ.

قولُه: (إِلاَّ فِي كِتابٍ) وهُوَ اللَّوحُ المحفوظُ.

قولُه: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها) أي: مِن قَبلِ أنْ نَخلُقَ الأرضَ والأنْفُسَ.

قولُه: (إِنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسيرٌ) أي: إنَّ عِلْمَه الأشياءَ قَبلَ كَوْنِها وكتابَتَه لها طِبقَ ما يُوجَدُ في حِينِها سَهْلٌ على اللَّهِ، لأنَّه -سُبْحَانَهُ- يَعلَمُ ما كان وما يكونُ وما لم يكن لو كان كَيْفَ يكونُ، ففي هَذِهِ الآياتِ أخْبَرَ -سُبْحَانَهُ- عن قَدَرِه السَّابِقِ في خَلْقِه قَبْلَ أنْ يَبْرَأَ البَريَّةَ، فما أصابَهُم مِن خيرٍ وشرٍّ قد كُتِبَ عليهم، وقُدِّرَ ولا بُدَّ مِن وقوعِه، وَهَذِهِ الآياتُ فيها الرَّدُّ على القَدريَّةِ نفاةِ العِلمِ السَّابِقِ.

قال النَّوويُّ في شرحِ مسلمٍ: قال العلماءُ رَحِمَهم اللَّهُ: وكتابُ اللَّهِ وَلَوْحُه وقَلَمُه والصُّحُفُ المذكورةُ في الأحاديثِ، كُلُّ ذَلِكَ مما يَجِبُ الإيمانُ به، وأمَّا كيفيَّةُ ذَلِكَ وصِفَتُه فعِلمُه إلى اللَّهِ (وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مَّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ) ، اهـ.

قولُه: (وهَذَا التَّقديرُ) إلخ، أي المتقدِّمُ ذِكرُه، وهُوَ تقديرُ اللَّهِ -سبحانَهُ وتعالَى- لمقاديرِ الخَلْقِ في عِلمِه وكِتابِه قبلَ تكوينِها وإيجادِها يكونُ في مواضِعَ جملةً وتفصيلا، فمِنها ما هُوَ عامٌّ شامِلٌ لكُلِّ كائنٍ، كما في حديثِ: لماَّ خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ قَال له اكتبْ فجَرى بما هُوَ كائنٌ إلى يومِ القيامةِ، ومنها ما هُوَ كالتَّفصيلِ مِن القدَرِ السَّابقِ، وبعضُها أخَصُّ مِن بعضٍ، فما في الحديثِ المتقدِّمِ تقديرٌ شامِلٌ، وأخَصُّ مِنه ما في حديثِ ابنِ مسعودٍ: (( يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ ... ) )، الحديثَ، وأخصُّ منهما ما وَرَدَ أنَّه يُقدِّرُ في ليلةِ القَدْرِ ما يَلْقَاه في تِلْكَ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ الأُخرى، فقولُه: (فقد كتبَ اللَّهُ في اللَّوحِ المحفوظِ) إلى آخِرِه، هَذَا هُوَ التَّقديرُ العامُّ قبلَ خَلقِ السَّماواتِ والأرضِ، وما ذَكَرَه في حديثِ ابنِ مسعودٍ: (( يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يومًا نُطْفَةً، ثُمَّ أَرْبَعِينَ يومًا عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَرْبَعِينَ يومًا مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ المَلَكُ فيُؤْمَرُ بَأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وأجَلِهِ، وعَمَلِهِ، وَشَقيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ) )، الحديثَ، فهَذَا تقديرٌ عُمْريٌّ، وما رواه عبدُ الرَّزَّاقِ وابنُ جريرٍ عن قتادةَ -رضي اللَّهُ عنه- في قولِه تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ) الآيةَ. قال: يُقضَى ما يكونُ في السَّنَةِ إلى مِثلِها، فهَذَا التَّقديرُ تَقديرٌ حَوْليٌّ، وما في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ -رضي اللَّهُ عنه-: (( إنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِن دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، دَفَّتَاهُ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، قَلَمُهُ نُورٌ وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ مَا بَيْنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ ويَفْعَلُ ما يَشَاءُ، فكذَلِكَ قولُه -سُبْحَانَهُ-:(كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) رواه عبدُ الرَّزَّاقِ، وابنُ المنذرِ، والطَّبرانيُّ، والحاكِمُ، فهَذَا التَّقديرُ المذكورُ في هَذَا الحديثِ تقديرٌ يوميٌّ.

قال ابنُ القيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وكُلُّ واحدٍ مِن هَذِهِ التَّقاديرِ كالتَّفصيلِ مِن القدَرِ السَّابقِ، وفي ذَلِكَ دليلٌ على كمالِ عِلمِه -سُبْحَانَهُ- وقُدرَتِه وحِكمَتِه، وزيادةِ تعريفِه الملائكةَ وعبادَه المؤمنين بنَفْسِه وأسمائِه، قال: فاتَّفقتْ هَذِهِ الأحاديثُ ونظائِرُها على أَنَّ القدَرَ السَّابقَ لا يَمنَعُ العَملَ ولا يُوجِبُ الاتِّكالَ عليه، بل يُوجِبُ الجِدَّ والاجتهادَ. اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت