فهرس الكتاب
فهذا التَّقديرُ قَدْ كانَ يُنْكِرُهُ غُلاةُ القَدَرِيَّةِ قديمًا، ومُنْكِروهُ اليَوْمَ قليلٌ ). [1]
(1) قولُه: (فهَذَا القدَرُ) أي: المذكورُ فيما تقدَّمَ وهُوَ عِلمُه الأشياءَ قَبلَ كونِها، وكتابَتُه لها طِبقَ ما يُوجَدُ في حِينِها، قد كان يُنكِرُه غُلاةُ القدريَّةِ، كمَعبدِ الجُهنيِّ الذي سأل ابنُ عمرَ عن مقالَتِه، وكعمرِو بنِ عُبَيدٍ وغيرِه، فيُنكِرون عِلمَه المتقدِّمَ، وكِتابَتَه السَّابقةَ، ويَزعُمون أنَّه أمَرَ ونَهَى وهُوَ لا يَعلَمُ مَن يُطيعُه ممَّن يَعصِيهِ، بل الأمْرُ أُنُفٌ أي مُستأنَفٌ، وهَذَا القولُ أوَّلُ ما حَدَثَ في الإسلامِ بعدَ انْقِراضِ عَصْرِ الخُلفاءِ الرَّاشِدينَ، وكان أوَّلَ مَن أَظهَرَ ذَلِكَ بالبصرةِ معبدٌ الجهنيُّ، وأخَذَ عنه هَذَا المذهبَ غَيلانُ الدِّمشقيُّ، فلمَّا ابتدعَ هؤلاء التَّكذيبَ بالقدَرِ رَدَّ عليهم مَن بَقِي مِن الصَّحابةِ، كعبدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ، وعبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ، وواثِلةَ بنِ الأسقعِ وغيرِهم، والقدريَّةُ يَنقسمونَ إلى فِرْقتَيْنِ:
الأُولى: تُنكِرُ أَنَّ اللَّهَ سَبقَ عِلمُه بالأشياءِ قَبلَ وُجودِها، وتزعُم أَنَّ اللَّهَ لم يُقدِّر الأمورَ أزلًا ولم يتقدَّمْ عِلمُه بها، وإنَّما يَعلَمُها إذا وَقَعتْ، قال العلماءُ: والمنكِرونَ لهَذَا انْقَرضُوا وهم الذين كفَّرهم الأئمَّةُ مالكٌ والشَّافعيُّ وأحمدُ، وهم الذين قال فيهم الشَّافعيُّ ناظِروا القدريَّةَ بالعِلمِ، فإنْ أقرُّوا بِهِ خُصِموا، وإنْ أَنكَروه كَفُروا.
الفِرقةُ الثَّانيةُ: المُقِرُّونَ بالعِلمِ وإنَّما خَالَفوا السَّلَفَ في زَعْمِهم بأنَّ أفعالَ العِبادِ مَقدورةٌ لهم وواقِعةٌ منهم على جِهةِ الاستقلالِ، وهُوَ مع كَونِه مذهبًا باطِلًا أخَفُّ مِن المذهبِ الأوَّل: قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وأمَّا هؤلاء - يعني الفِرقةَ الثَّانيةَ - فإنهم مُبتدِعون ضالُّون لكنَّهم ليسوا بمنزلةِ أولئكَ، قال: وفي هؤلاء خَلْقٌ كَثيرٌ مِن العلماءِ والعُبَّادِ وكُتِبَ عنهم وأَخرجَ البخاريُّ ومُسلمٌ لِجماعةٍ منهم، لكنْ مَن كان داعيةً لم يُخَرِّجوا له، وهَذَا مذهبُ فقهاءِ الحديثِ كأحمدَ وغيرِه، ومَن كان داعيةً إلى بِدْعةٍ فإنَّه يَسْتَحقُّ العقوبةَ لدَفعِ ضررِه عن النَّاسِ وإنْ كان في الباطنِ مجتهِدًا، فأقَلُّ عُقوبَتِه أنْ يُهجَرَ فلا يكونُ له رتبةٌ في الدِّينِ، فلا يُستقضَى ولا تُقبلُ شهادَته ونحوُ ذَلِكَ. اهـ.