الصفحة 163 من 233

( وأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَهِيَ مَشيئةُ اللهِ النَّافِذَةُ، وقُدْرَتُهُ الشَّامِلَةُ، وهُو: الإِيمانُ بأَنَّ مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وأَنَّهُ ما في السَّماواتِ ومَا في الأرْض مِنْ حَرَكَةٍ ولا سُكونٍ؛ إِلا بِمشيئَةِ اللهِ سُبْحانَهُ، [ لا يَكونُ في مُلْكِهِ مَا لاَ يُريدُ ] . [1]

(1) قولُه: (وأمَّا الدَّرجةُ الثَّانيةُ ... ) إلخ هَذِهِ المرتبةُ الثَّالثةُ مِن مراتبِ الإيمانِ بالقدَرِ، وهُوَ إثباتُ مشيئةِ اللَّهِ النَّافذةِ، أي الماضيةِ التي لا رَادَّ لها، مِن نَفَذَ السَّهمُ نُفوذًا إذا خَرَقَ الرَّميَّةَ، ونَفَذَ الأمرُ مَضى، هَذِهِ المرتبةُ الثَّالثةُ مِن مراتبِ الإيمانِ بالقدَرِ، وهُوَ إثباتُ نُفوذِ قُدرتِه ومشيئتِه، وشُمولِ قُدرَتِه، قد دَلَّ عليها الكِتابُ والسُّنَّةُ وأجمعَ عليها سَلَفُ الأمَّة، قال اللَّهُ تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ) وقال: (وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الآياتِ الدَّالَّةِ على نُفوذِ مَشيئَتِه فلا خُروجَ لكائِنٍ عن مشيئَتِه كما لا خُروجَ له عَن عِلمِه، وفي هَذِهِ الآياتِ وغيرِها الرَّدُّ على القدريَّة والمعتزِلةِ نُفاةِ القدَرِ الذين يُثبتون للعبدِ مشيئةً تخالِفُ ما أرادَه اللَّهُ مِن العبدِ وشاءه، وأما أهلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فتمسَّكوا بالكِتابِ والسُّنَّةِ في هَذَا البابِ وغيرِه، واعتقَدوا أنَّ مشيئةَ العبدِ تابعةٌ لمشيئةِ اللَّهِ في كُلِّ شيءٍ مما يوافِقُ ما شَرعَه وما يخالِفُه مِن أفعالِ العبدِ وأقوالِه، فالكُلُّ بمشيئةِ اللَّهِ، فما وافَقَ ما شَرَعَه رَضِيَه وأحَبَّه، وما خالَفه كَرِهَه، كما قال -سُبْحَانَهُ- وتعالى: (إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) الآيةَ.

قولُه: (وهُوَ الإيمانُ بأنَّ ما شاءَ اللَّهُ كان ... ) إلخ فسَّرَ المصنِّفُ معنى الإيمانِ بهذه المرتبةِ، وأشار بهَذَا إلى الرَّدِّ على القدَريَّةِ والمعتزِلةِ الذين يُثبتون للعبدِ مشيئةً تخالِفُ مشيئةَ اللَّهِ، وتقدَّمَ ذِكرُ الأدلَّةِ على بطلانِ قولِهم، وهل أضَلُّ ممَّن يَزعُمُ أَنَّ اللَّهَ شاء الإيمانَ مِن الكافرِ والكافرُ شاءَ الكفرَ، فغلبَتْ مشيئةُ الكافرِ مشيئةَ اللَّهِ؟! - تعالى اللَّه عَن قولِهم - وقد تقدَّمَ ذِكرُ أقسامِ الإرادةِ والمشيئةِ، والفَرْقُ بينهما وبين المحبَّةِ والرِّضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت