الصفحة 173 من 233

بلِ الأخُوَّةُ الإِيْمَانِيَّةُ ثابِتَةٌ مَعَ المَعَاصي؛ كَمَا قَالَ سُبْحانَهُ [ في آيةِ القِصاصِ ] : ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيْهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ ) . [1]

وقالَ: ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنينَ اقْتَتَلُوا فأَصِلْحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطينَ. إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخْوَةٌ فأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) . [2]

(1) قولُه: (بل الأُخوَّةُ الإيمانيَّةُ ثابتةٌ مع المعاصي) ، كما قال تعالى في آيةِ القِصاصِ: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيْهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) فسمَّاه أخًا مع وُجودِ القَتْلِ. منه، ففيهِ دليلٌ على أَنَّ العاصِيَ لا يَخرُجُ مِن الإيمانِ بمجرَّدِ الذُّنوبِ والمعاصي.

(2) قولُه: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنينَ اقْتَتَلُوا) الآيةَ. الطَّائفةُ: القِطعةُ مِن الشَّيءِ، ويُطلَقُ على الواحدِ فما فَوْقَه عندَ الجمهورِ. وقولُه: (مِنَ المُؤْمِنينَ اقْتَتَلُوا) فسمَّاهُمْ مُؤمِنينَ مع الاقتتالِ، وبهَذَا استدلَّ البخاريُّ وغيرُه على أنَّه لا يَخرُجُ مِن الإيمانِ بالمعصيةِ، لا كما يقولُ الخوارِجُ والمعتزِلةُ ومَن تابَعَهُم.

وفي صحيحِ البخاريِّ مِن حديثِ الحسَنِ عن أبي بكرةَ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فَئِتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) )فكان كما قال -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أصْلحَ اللَّهُ بين أهلِ الشَّامِ والعراقِ بعد الحروبِ الطَّويلةِ.

قولُه: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُمَا عَلَى الأُخْرَى) أي: تَعدَّتْ إحداهُما على الأخرى وَأَبَت الإجابةَ إلى حُكمِ كتابِ اللَّهِ، قولُه: (حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ) أي: ترجِعَ إلى أمرِ اللَّهِ ورسولِه، وتَسمَعَ للحِقِّ وتُطيعَهُ، كما في الصَّحيحِ عن أنسٍ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ) )، قلت:ُ يا رسولَ اللَّهِ، هَذَا نَصَرْتُه مظلومًا كَيْفَ أنْصُرُه ظالِما؟ قال: (( تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فذَلِكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ ) ).

قولُه: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطينَ) فيه إثباتُ المحبَّةِ لِلَّهِ كما يَليقُ بجَلالِه وعظَمَتِه، وفيه فضلُ الإصلاحِ بين النَّاسِ، وفيه مَدْحُ العَدْلِ والإنصافِ، وروى ابنُ أبي حاتمٍ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو -رضي اللَّهُ عنهما- عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أنَّه قال: (( الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا ) )رواه مسلمٌ والنَّسائيُّ، وفيه أنَّه لم يَخرُجوا بالبَغي مِن الإيمانِ، وفيه أنَّه أوجَبَ قتالَهم وأنَّه أَسْقطَ عنهم التَّبِعةَ فيما أَتْلَفوه في قِتالِهم، وفيه إجازةُ قِتالِ كُلِّ مَن مَنَع حقاًّ عليه، والأحاديثُ بِذَلِكَ مشهورةٌ.

قولُه: (إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخْوَةٌ) أي: إخوةٌ في الدِّينِ، سمَّاهُم مؤمنين مع وجودِ الاقتتالِ بينهم، وجَعلَهم إخوةً في الدِّينِ مع وجودِ الاقتتالِ بينهم، فدَلَّ على أنَّهم لا يَخرُجونَ من الإيمانِ بالمعصيةِ.

قولُه: (والكبائرُ) هي جمعُ كبيرةٍ، وَهِيَ الفِعلةُ القبيحةُ مِن الذُّنوبِ العظيمِ أَمْرُها، والكبيرةُ كُلُّ معصيةٍ فيها حَدٌّ في الدُّنْيَا أو وعيدٌ في الآخرةِ، وزاد شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَةَ: أو وَرَدَ فيها وعيدٌ يَنْفِي إيمانا، أو لَعْنٌ أو غَضَبٌ ونحوُهما، في قولِه: والكبائرُ أشارةٌ إلى أَنَّ الذُّنوبَ تَنقسِمُ إلى كبائرَ وصغائرَ، وهُوَ الصَّوابُ الذي تَدُلُّ عليه الأدِلَّةُ.

وأمَّا عددُ الكبائرِ فعندَ سعيدِ بنِ جبيرٍ -رضي اللَّهُ عنه- قال: قال رجُلٌ لابنِ عبَّاسٍ: الكبائرُ سبعٌ، فقال ابنُ عبَّاسٍ: هي إلى السَّبْعِمِائةِ أَقربُ منها إلى السَّبْعِ، غير أنَّه لا كبيرةَ مع استغفارٍ ولا صغيرةَ مع إصرارٍ، وقد أَوْصلَها عُلماؤنا إلى أكثرَ مِن السَّبعِين؛ كما في الإقناعِ، قال في شَرحِ الطَّحاويَّةِ: وقد يَقْتَرِنُ بالصَّغِيرةِ مِن قلَّةِ الحياءِ وعَدمِ المبالاةِ وتَركِ الخوفِ ما يُلحِقُها بالكبائرِ، وقد يَقترِنُ بالكبيرةِ مِن الحياءِ والخوفِ والوَجَلِ ما يُلحِقُها بالصَّغائرِ، وهَذَا أمْرٌ مَرْجِعُه إلى ما يقومُ بالقَلْبِ، وقد يُعْفَى لصاحِبِ الإحسانِ العظيمِ ما لا يُعْفَى لغيرِه، فإنَّ فاعِلَ السَّيِّئاتِ تَسْقطُ عنه عُقوبةُ جَهنَّمَ بنحوِ عشَرةِ أسبابٍ، عُرِفَتْ بالاستقراءِ مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ:

الأوَّل: التَّوبةُ، الثَّاني: الاستغفارُ، الثَّالِثُ: الحسناتُ الماحيةُ، الرَّابعُ: المصائِبُ الدُّنْيَويَّةُ، الخامِسُ: عذابُ القبرِ، السَّادِسُ: دُعاءُ المؤمنينَ واستغفارُهم، السَّابِعُ: ما يُهْدَى إليه بعد الموتِ مِن ثوابِ صدقَةٍ أو قراءةٍ أوحَجٍّ ونحوِ ذَلِكَ، الثَّامنُ: أهوالُ يومِ القِيامَةِ وشدائِدُه، التَّاسِعُ: ما ثَبَتَ أَنَّ المؤمنين إذا عَبَروا الصِّراطَ وُقِفوا على قَنطَرةٍ بينَ الجَنَّةِ والنَّارِ ليُقْتَصَّ لبعضِهم مِن بعضٍ، العاشِرُ: شفاعةُ الشَّافِعِينَ، الحادي عَشَرَ: عَفْو أرحمِ الراحمينَ مِن غيرِ شفاعةٍ كما تَقَدَّمَ. انتهى. باختصارٍ.

إذا عُرِفَ ما تقدَّمَ فينبغي أنْ يكونَ المؤمنُ خائفًا راجيًا، ويكونُ خَوفُه ورجاؤه سَواءً، فإنَّه إذا رَجَحَ الخوفُ حَمَلَهُ على القُنوطِ مِن رحمةِ اللَّهِ، وإذا رَجَحَ الرَّجاءُ حَمَلَه على الأمْنِ مِن مَكْرِ اللَّهِ، وكِلاهما مِن كبائرِ الذُّنوبِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت