الصفحة 172 من 233

( وهُمْ مَعَ ذلكَ لا يُكَفِّرونَ أَهْلَ القِبْلَةِ بمُطْلَقِ المَعَاصِي والكَبائِرِ؛ كَمَا يَفْعَلُهُ الخَوَارِجُ. [1]

(1) قولُه: (وهم مع ذَلِكَ لا يُكفِّرون) أي: لا يَنسِبونَهم للكفرِ ويَحْكمون عليهم به.

قولُه: (أهلَ القِبلةِ) أي: مَن يدَّعِي الإسلامَ ويستقبِلُ الكعبةَ، وإنْ كان عليه ذُنوبٌ ومعاصٍ عَدَا الشِّرْكَ باللَّهِ، والكفرَ المُخرِجَ عن المِلَّةِ الإسلاميَّةِ، كما قال -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ، لَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا ) )فَأَهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ لا يكفِّرون أهلَ القبلةِ بمطلَقِ المعاصي والكبائرِ، كما يَفعَلُه الخوارجُ والمعتزِلةُ، فإنَّ الخوارِجَ يقولون: مَن فَعلَ كبيرةً فَهُوَ في الدُّنْيَا كافرٌ وفي الآخرةِ مُخَلَّدٌ في النَّارِ لا يَخرُجُ منها لا بشفاعةٍ ولا بغيرِ شفاعةٍ، والمعتزِلةُ يقولون: مَن فَعلَ كبيرةً فهُوَ في الدُّنْيَا لا مُؤمِنٌ ولا كافرٌ، بل في منزلةٍ بين المنزِلَتَيْنِ، وفي الآخرةِ خالِدٌ مخلَّدٌ في النَّارِ، كقول الخوارجِ، وقابَلَتْهم المُرْجِئةُ فقالوا: إنَّه لا يَضُرُّ مع الإيمانِ ذَنْبٌ كما لا يَنْفَعُ مع الكفرِ طاعةٌ، وقالوا إِيمانُ أَفْسَقِ النَّاسِ كإيمانِ أبىِ بكرٍ وعمرَ، فالخوارِجُ والمعتزِلةُ غَلَوْا، والمُرْجِئةُ جَفَوْا، أولئكَ تعلَّقُوا بأحاديثِ الوعيدِ، وهؤلاء تعلَّقوا بأحاديثِ الوعدِ فقط، وهَدَى اللَّهُ أهلَ السُّنَّةِ والجَماعَةِ للقولِ الوسَطِ الذي تَدُلُّ عليه أدِلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فقالوا: إنَّ الفاسِقَ لا يَخْرُجُ مِن الإيمانِ بمجرَّدِ فِسقِه، ولا يخلَّدُ في النَّارِ في الآخرةِ، بل هُوَ تحت مشيئةِ اللَّهِ إنْ عَفى عنه دخَلَ الجَنَّةَ مِن أوَّلِ وهْلةٍ، وإنْ لم يَعْفُ عنه عُذِّبِ بقدْرِ ذُنوبِه، ثم دخَلَ الجَنَّةَ، فلا بدَّ له مِن دخولِ الجَنَّةِ، فالعاصي مُعرَّضٌ لعقوبةِ اللَّهِ وعذابِه، قال اللَّهُ تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) فَهِذِهِ الآيةُ صريحةٌ في أنَّ مَن مَاتَ غيَر مُشرِكٍ فهُوَ تحت مشيئةِ اللَّهِ، ففيها الرَّدُّ على الخوارجِ المكفِّرينَ بالذُّنوبِ، وعلى المُرْجِئةِ القائِلِينَ بأَنَّ الذُّنوبَ لا تَضُرُّ، وأَنَّ النَّاسَ في الإيمانِ سواءٌ لا تفاضُلَ بينهم، وعن أنسٍ -رضي اللَّهُ عنه- قال: قال رَسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( ثَلاثٌ مِنْ أَصْلِ الإِيمَانِ: الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، لاَ نُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ، وَلاَ نُخْرِجُهُ مِن الإِسْلامِ بِعَمَلٍ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ، لاَ يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلاَ عَدْلُ عَادِلٍ، وَالإِيمَانُ بِالأَقْدَارِ ) )، رَواهُ أَبُو دُاوُدَ، وفي الصَّحيحِ: (( يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ ) )، فَفِيهِ دَلِيلٌ على زيادةِ الإيمانِ ونُقْصانِهِ، وعَلَى دُخولِ طائِفةٍ مِن المُوحِّدينَ النَّارَ، وأنَّ الكبائرَ لا يُكفَّرُ فاعِلُها، ولا يخلَّدُ في النَّارِ، وقال البخاريُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: بابُ خوفِ المؤمنِ أنْ يَحبَطَ عَملُه وهُوَ لا يَشعُرُ، قال إبراهيمُ التَّيميُّ: ما عَرَضْتُ قَوْلي على عَملِي إلاَّ خَشِيتُ أنْ أكونَ مُكذِّبا، وقال ابنُ أبي مُلَيْكةَ: أَدْركْتُ ثلاثين مِن أصحابِ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفاقَ على نَفْسِه، ما منهم أَحدٌ يقول: إنَّه على إيمانِ جبريلَ وميكائيلَ، ويُذكَرُ عن الحسَنِ: ما خَافَه إلاَّ مؤمِنٌ ولا أَمِنَه إلاَّ منافِقٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت