الصفحة 171 من 233

وأَنَّ الإِيْمانَ يَزيدُ بالطَّاعَةِ، ويَنْقُصُ بالمَعْصِيَةِ ). [1]

(1) قولُه: (وأنَّ الإيمانَ يَزيدُ بالطَّاعةِ ويَنقُصُ بالمعصيةِ) كما قال -سُبْحَانَهُ-: (لِيَزْدَادُواْ إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ) ، وقال تعالى: (وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وتسليمًا) وقولُه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ أَخْلاقًا ) )، وفي"الصَّحيحَيْنِ"مِن حديثِ أبي هريرةَ -رضي اللَّهُ عنه- أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عن الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ مِنَ الإيمانِ ) )وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ إلى غيرِ ذَلِكَ من الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ على أَنَّ الإيمانَ يَزيدُ ويَنْقُصُ، وعلى أَنَّ المؤمنينَ يَتفاضَلون في الإيمانِ، فبعضُهم أكْملُ إيمانًا مِن بعضٍ، كما قال -سُبْحَانَهُ وتعالى: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذنِ اللَّهِ) فدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ أَنَّ المؤمنينَ يَنْقسمون إلى ثلاثةِ أقسامٍ: سابِقون، ومُقتَصِدُونَ، وظالِمون لأنْفُسِهم، فالسَّابِقُ إلى الخيراتِ: هُوَ الذي عَمِلَ الواجباتِ والمُسْتَحبَّاتِ، واجْتَنَبَ المحرَّماتِ والمكروهاتِ، والمقتَصِدُ: هُوَ مَن اقتصَرَ على فِعلِ الواجباتِ واجتنابِ المحرَّماتِ، والظَّالِمُ لنَفْسِه: هُوَ مَن أخلَّ ببعضِ الواجباتِ وانْتَهكَ بعضَ المحرَّماتِ، فكُلُّ واحدٍ مِن هَذِهِ الأقسامِ يُطلَقُ عليه أنَّه مؤمِنٌ.

أمَّا أصولُ الإيمانِ فسِتَّةٌ كما في حديثِ جبريلَ وهي: (( أَنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ، وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ) )، وفي الحديثِ المذكورِ جعلَ مراتِبَ الدِّينِ ثلاثةً: الإيمانُ، والإسلامُ، والإحسانُ، فأَعْلاها الإحسانُ، ثم الإيمانُ، ثم الإسلامُ، فكُلُّ مُحْسنٍ مؤمِنٍ مُسلِمٌ ولا ينعَكِسُ، وكُلُّ مؤمنٍ مُسلِمٌ لا العكس، فالمرتبةُ الأولى الإسلامُ، وَهِيَ التي يَدخُلُ فيها الكافِرُ أوَّلَ ما يَتكلَّمُ بإسلامٍ، وأعلى منها مرتبةً الإيمانُ، لأَنَّ اللَّهَ نفى عمَّن ادَّعى الإيمانَ مِن أوَّلِ وهْلةٍ الإيمانَ، وأثْبَتَ لهم الإسلامَ، كما قال تعالى: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُوُلُوا أَسْلَمْنَا) .

المرتبةُ الثَّالثةُ: الإحسانُ، وَهِيَ أعْلَى مِن المرتبتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، فقد يُنفى عن الرَّجُلِ الإحسانُ ويُثبَتُ له الإيمانُ، ويُنفى عنه الإيمانُ ويُثبَتُ له الإسلامُ، كما في حديثِ: (( لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وهُوَ مُؤْمِنٌ ) )ولا يُخرِجُه عن مرتبةِ الإسلامِ إلاَّ الكفرُ باللَّهِ والشِّركُ المخُرِجُ عن المِلَّةِ.

وأمَّا المعاصي والكبائرِ كالزِّنا وشُربِ الخمرِ ونحوِ ذَلِكَ فلا يُخرِجُه عن دائرةِ الإسلامِ، والإسلام والإيمانِ إِذَا ذُكِرَا جميعًا، فإنَّ الإسلامَ يُفَسَّرُ بالانقيادِ للأعمالِ الظَّاهرةِ، والإيمانُ يُفَسَّرُ بالأعمالِ الباطنةِ، كما فُرِّقَ بينهما في حديثِ جبريلَ فقال: (( الإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وتُؤتِي الزَّكاةَ، وتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَالإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ، وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ) ).

وروى الإمامُ أحمدُ مِن حديثِ أنسٍ -رضي اللَّهُ عنه- أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( الإِسْلامُ عَلانِيَةً، وَالإِيمَانُ بِالْقَلْبِ ) )وهَذَا إِذَا ذُكِرَا معًا، أمَّا إِذَا أُفْرِدَ أحدُهما عن الآخَرِ كقولِه تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ) فإنَّه يَدْخُلُ فيه الآخَرُ، فإِذَا أُفْرِدَ الإيمَانُ دَخَلَ فيه الإسلامُ وبالعكس، ففيهما دلالةُ الاقترانِ والانفرادِ، كالفقيرِ والمسكينِ ونحوِ ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت