فهرس الكتاب
(فَصْلٌ: ومِنْ أُصُولِ [ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ ] أَنَّ الدِّينَ والإِيْمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ، قَوْلُ القَلْبِ واللِّسانِ، وعَمَلُ القَلْبِ واللِّسانِ والجَوَارِحِ. [1]
(1) فَصْلٌ قولُه: (أنَّ الدِّينَ) معناه لغةً: الذُّلُّ، يُقالُ دِنْتُه فَدانَ، أي أَذْلَلْتُه فَذَلَّ، وشَرْعا: هُوَ ما أمَرَ اللَّهُ بهِ على أَلْسِنةِ رُسلِه، والإيمانُ لغةً: التَّصدِيقُ كما قال تعالى: (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا) أي بمُصدِّقٍ، وشَرْعا: الإيمانُ هُوَ ما ذكَرَه المصنِّفُ.
قال الشَّيخ تَقِيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: لفظُ الإيمانِ إذا أُطلِقَ يُرادُ بِهِ ما يُرادُ بلفظِ البِرِّ وبِلَفْظِ التَّقوى وبلفظِ الدِّينِ، فكُلُّ ما يُحِبُّه اللَّهُ ورسولُه يَدْخُلُ في اسمِ الإيمانِ. انتهى. وفي حديثِ جبريلَ: سَمَّى النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- الإسلامَ والإيمانَ والإحسانَ دِينًا.
قولُه: (قولُ القلبِ) وهُوَ الاعتقادُ، كاعتقادِ ما أخبَرَ اللَّهُ بِهِ عَن نَفْسِه وأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه وملائكتِه وكتُبِه ورُسلِه.
قولُه: (قولُ اللِّسانِ) وهُوَ التَّكلُّمُ بالشَّهادَتَيْنِ، والقيامُ بذِكْرِه -سُبْحَانَهُ- وتبليغِ أوامرِه والدَّعوةِ إليهِ والذَّبِّ عن دِينِه ونحوِ ذَلِكَ.
قولُه: (وعملُ القلبِ) وهُوَ نِيَّتُه وإخلاصُه والتَّوكُّلُ والإنابَةُ والمحبَّةُ والانقيادُ والخوفُ منه -سُبْحَانَهُ- والرَّجاءُ وإخلاصُ الدِّينِ له والصَّبْرُ ونحوُ ذَلِكَ مِن أعمالِ القلوبِ.
قولُه: (وعَملُ اللِّسانِ والجوارحِ) كالصَّلاةِ والحجِّ والجهادِ ونحوِ ذَلِكَ، فالإيمانُ عندَ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ هُوَ ما تَقدَّمَ أنَّه قولٌ واعتقادٌ، وحكى الشَّافِعيُّ على ذَلِكَ إجماعَ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ ومَن بَعْدَهم ممَّن أدْرَكَهم، وأنْكَرَ السَّلَفُ على مَن أخرجَ الأعمالَ مِن الإيمانِ إنكارًا شديدًا.
روى اللاَّلَكائِيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن البخاريِّ قال: لقيتُ أكثرَ مِن ألْفِ رجُلٍ مِن العلماءِ بالأمصارِ، فما رأيتُ أحدًا منهم يختلِفُ في أَنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ ويَزيدُ ويَنْقُصُ، وقال الأوْزاعِيُّ: كان مَن مَضَى مِن السَّلَفِ لا يُفَرِّقُون بين العَملِ والإيمانِ، وفي صحيحِ البخاريِّ أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتَبَ إلى عَدِيِّ بنِ عَدِيٍّ أنَّ للإيمانِ فرائضَ وشرائعَ وحُدودًا وسُننًا، فمَن استكمَلَها فقد استكْمَلَ الإيمانَ، ومَن لم يستكمِلْها لم يستكْمِل الإيمانَ، فإنْ أَعِشْ فسأُبَيِّنُه لكم، وإنْ أَمُتْ فما أنا على صُحبتِكُم بحريصٍ، وفي"الصَّحيحَيْنِ"عن ابن عبَّاسٍ -رضي اللَّهُ عنه- عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أنَّه قال لوفْدِ عبدِ القَيْسِ: (( آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ: الإِيمَانُ باللَّهِ وَحْدَهُ، وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ باللَّهِ؟ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ ) ). قال ابنُ القيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: فيه أَنَّ الإيمانَ باللَّهِ هُوَ مجموعُ هَذِهِ الخِصالِ مِن القولِ والعملِ، كما عَلِمَ ذَلِكَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- والتَّابِعون وتابِعُوهم، وعلى ذَلِكَ ما يُقارِبُ مِن مائةِ دليلٍ مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ. اهـ.