الصفحة 169 من 233

ويَغْلُو فيها قومٌ مِنْ أَهْلِ الإِثْباتِ، حَتَّى سَلَبُوا العَبْدَ قُدْرَتَهُ واخْتِيارَهُ، ويُخْرِجُونَ عَنْ أَفْعَالِ اللهِ وأَحْكامِهِ حُكْمَهَا ومَصالِحَها). [1]

(1) قولُه: (ويَغْلو فيها قومٌ ... ) إلخ أشارَ المصنِّفُ بقولِه هَذَا إلى المجبِّرةِ، فإنَّهم غَلَوْا في نَفْيِ أفعالِ العِبادِ حتى سَلَبوا العِبادَ قُدْرتَهم واختيارَهم، وزعموا أنَّهم لا يَفعلون شيئًا ألبتَّةَ، وإنَّما اللَّهُ هُوَ فاعِلُ تِلْكَ الأفعالِ حقيقةً، فَهِيَ نَفْسُ فِعلِه لا أفعالِهم، والعبيدُ ليس لهم قُدرةٌ ولا إرادةٌ ولا فعلٌ ألبتَّةَ، وأنَّ أفعالَهم بمنزلةِ حركةِ الجماداتِ لا قدرةَ له عليها، وإمامُ هؤلاء الجهمُ بنُ صفوانَ التِّرمذيُّ، وقولُهم باطِلٌ؛ لأنَّنا نُفرِّقُ بالضَّرورةِ بين حَركَةِ البَطْشِ وحَركَةِ المرتَعِشِ، ونعلمُ بأَنَّ الأوَّلَ باختيارِه دُونَ الثَّاني، ولأنَّه لو لم يكنْ للعَبْدِ فِعلٌ أصلًا لما صَحَّ تَكْلِيفُه، ولا تَرتَّبَ استحقاقُ الثَّوابِ والعقابِ على أفعالِه، ولا إسنادُ الأفعالِ التي تقتضي سابقةَ قَصْدٍ إليه على سبيلِ الحقيقةِ، مِثلُ صلَّى وصامَ وكَتَبَ، بخلافِ مِثلِ طالَ واسودَّ لونُه، والنُّصوصُ القَطْعيَّةُ تَنْفى ذَلِكَ، قال اللَّهُ تعالى: (جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) وقال: (مَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) إلى غيرِ ذَلِكَ.

قال ابنُ القَيِّمِ: وهؤلاءِ خُصماءُ اللَّهِ الذين جاء فيهم الحديثُ: (( يُقَالُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَيْنَ خُصَمَاءُ اللَّهِ فيُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ ) )وتَقَدَّمَ ما ذَكَرَهُ الشَّيخُ في تَائِيَّتِه، وقال ابنُ القيِّمِ:

سمعتُ الشَّيخَ تقيَّ الدِّينِ يقوُل: القدَريَّةُ المذمومون في السُّنَّةِ وعلى لِسانِ السَّلَفِ هم هؤلاء الفِرَقُ الثَّلاثةُ نُفاتُه وهم: القدَريَّةُ المجوسيَّةُ، والمعارضون بِهِ للشَّريعةِ الذين قالوا: لو شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنَا، وهم القدَريَّةُ المشركيَّةُ، والمخاصِمُونَ بِهِ للرَّبِ وهم أعداءُ اللَّهِ وخُصومُه، وهُم القدَريَّةُ الإبليسيَّةُ وشَيْخُهُم إبليسُ، وهُوَ أوَّلُ مَن احْتَجَّ على اللَّهِ بالقَدَرِ فقال: (بِمَا أَغْوَيْتَنِي) ولم يَعترِفْ بالذَّنْبِ ويَبوءُ بِهِ، كما اعْتَرَفَ بِهِ آدمُ، فمَنْ أقرَّ بالذَّنْبِ وباءَ بِهِ ونَزَّه ربَّه فقد أشْبَه أباه آدمَ، ومَن أشْبهَ أباهُ فما ظَلَمَ، ومَن بَرَّأ نَفْسَه واحتجَّ على ربِّه بالقدَرِ فقد أَشْبهَ إبليسَ، ولا رَيْبَ أنَّ هؤلاء القدَريَّةَ الإبليسيَّةَ والمُشْرِكيَّةَ شرٌّ مِن القدَريَّةِ النُّفاةِ، والذي عليه أهلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ هُوَ ما تَقدَّمَ الإيمانُ بِأنَّ أفعالَ العِبادِ مخلوقةٌ لِلَّهِ، صادرةٌ عَن مشيئَتِه وإرادَتِه، وَهِيَ أفعالٌ لهم، وكَسْبٌ لهم باختيارِهم، فلذا تَرتَّبَ عليها الثَّوابُ والعِقابُ، كما تكاثَرَتْ بِذَلِكَ الأدِلَّةُ.

قولُه: (ويُخرجِونَ عن أفعالِ اللَّهِ ... ) إلخ، أي أنَّ هؤلاء الجهميَّةَ يَزعُمون أَنَّ اللَّه تعالى لا يَفعلُ لعِلَّةٍ ولا حِكمةٍ، وإنَّما هُوَ محْضُ مشيئةٍ وصَرْفُ إرادةٍ مجردَّةٍ عن الحكمةِ والرَّحمةِ، وكان شيخُهم الجهمُ بنُ صفوانَ يَقِفُ على الجذماءِ فيقولُ: أَرْحمُ الرَّاحِمِين يفعلُ مِثلَ هَذَا؟ إنكارا للرَّحْمةِ والحكمةِ، وأدِلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ تُبطِلُ هَذَا المذهبَ. قال ابنُ القيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: ولِهَذَا الأصلِ لوازمُ وفروعٌ كثيرةٌ فاسدةٌ، وذَكَرها ورَدَّهَا مِن تِسْعينَ وَجْهًا، اهـ.

والذي عليه أهلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ هُوَ إثباتُ العِلَّةِ والحكمةِ في أفعالِه -سُبْحَانَهُ- وشَرعِه وقدَرِه، فما خَلقَ شيئًا ولا قضاهُ ولا شَرَعَهُ إلا لحكمةٍ بالغةٍ، وإنْ تقاصَرَتْ عنها عقولُ البَشرِ، والأدِلَّةُ في إثباتِ ذَلِكَ كثيرةٌ جِداًّ، فإنَّه -سُبْحَانَهُ- حكيمٌ شَرَعَ الأحكامَ لِحكمةٍ ومصلحةٍ، فما خَلقَ شيئًا عَبَثًا ولا خَلقَه سُدًى كما قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا) ، وقال: (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) ، وقال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ) وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) وقال: (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الأدِلَّةِ على إثباتِ هَذَا الأصلِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت