الصفحة 168 من 233

ولِلْعِباد قُدْرَةٌ على أَعْمالِهِمْ، [ ولَهُمْ إِرَادَةٌ، واللهُ خَالِقُهُم وقُدْرَتَهُم وإِرادَتَهُم ] ؛ كَما قالَ تعالى: ( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقيمَ. ومَا تَشاؤونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العَالَمينَ ) ، ( وهذه الدَّرَجَةُ مِنَ القدَرِ يُكَذِّبُ بها عَامَّةُ القَدَرِيَّةِ الَّذينَ سَمَّاهُم النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَجُوسَ هذه الأمَّةِ. [1]

(1) وقولُه: (( وللعِبادِ قُدرةٌ على أعمالِهم ولهم إرادةٌ ) )إشارةٌ للرَّدِّ على الجبريَّةِ.

قولُه: (واللَّهُ خَالِقُهم وخالِقُ قُدرتِهم..) إلخ إشارةٌ للرَّدِّ على القدريَّةِ، فالجَبْريَّةُ والقدَريَّةُ في طَرَفَيْ نَقيضٍ، فالجَبْريَّةُ غَلَوْا في الإثباتِ، والقدَريَّةُ غَلَوْا في النَّفْيِ، وهدى اللَّهُ أهلَ السُّنَّةِ والجَماعَةِ للقولِ الوسطِ، فأَثبَتُوا أَنَّ العِبادَ فاعلون ولهم قُدرةٌ على أعمالِهم ولهم إرادةٌ ومشيئةٌ، وأَنَّ اللَّهَ -سبحانَهُ وتعالَى- خَالِقُهم وخالِقُ قُدْرَتِهم ومَشيئَتِهم، قال اللَّهُ تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) فَأَثْبَتَ مَشيئةً للعبدِ، وأخبَرَ أنَّها لا تكونُ إلا بمشيئةِ اللَّهِ، فأفعالُ العبدِ تُضافُ إليه على جهةِ الحقيقةِ، واللَّهُ خَلقَه وخَلقَ فِعلَه، كما قال تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) فأخبَرَ أَنَّ العِبادَ يَعملُون ويَصنعون ويُؤمِنون ويَكْفرون ويَفْسُقون ويُكذِّبون، والأدِلَّةُ على إثباتِ أفعالِ العِبادِ كثيرةٌ جِداًّ.

قولُه: (وَهَذِهِ الدَّرجَةُ مِن القَدَرِ) وَهِيَ إثباتُ أَنَّ العبدَ فاعلٌ حقيقةً، وأَنَّ اللَّهَ خَلقَه وخَلقَ فِعلَه يُكذِّبُ بها عامَّةُ القدريَّةِ، أي جميعُ القدَريَّةِ أو أكثرُهم، فيَزعُمون أَنَّ العبدَ يَخلُقَ فِعلَ نَفْسِه استقلالًا بدُونِ مشيئةِ اللَّهِ وإرادتِه، وسُمُّوا قَدريَّةً لإنكارِهم القَدَرَ، وَكَذَلِكَ تسمَّى الجَبْريَّةُ المحتجُّون بالقَدَرِ قدريَّةً لخوضِهم في القَدَرِ، والتَّسمِيةُ على الطَّائِفةِ الأُولى أغلَبُ، قال ابنُ تيميَةَ في تَائِيَّتِه:

ويُدْعَى خُصومُ اللَّهِ يَومَ مَعادِهم ... ... إلى النَّارِ طُراًّ فِرقةَ القَدريَّةِ

سواءٌ نَفُوه أو سَعَوْا ليُخاصِمُوا ... ... بِهِ اللَّهَ أو مَارَوْا بِهِ الشَّريعَةِ

قولُه: (مجوسُ هَذِهِ الأمَّةِ) سُمُّوا بِذَلِكَ لمُضاهاةِ قولِهم لقولِ المجوسِ، فإنَّ المجوسَ يُثبِتون خالِقَيْنِ، وَكَذَلِكَ القدَريَّةُ أثْبَتُوا أَنَّ اللَّهَ خَلقَهم وأنَّهم خَلقوا أفْعالَهُم استقلالًا، كما روى أبو داودَ في سُننِه عن ابنِ عمرَ -رضي اللَّهُ عنهما- عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أنَّهُ قال: (( الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأمَّةِ إِنْ مَرِضُوا فلا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلاَ تَشْهَدُوهُمْ ) )وروى أبو داودَ أيضًا عن حذيفةَ -رضي اللَّهُ عنه- قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( لكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ وَمَجُوسُ هَذِهِ الأمَّةِ الذين يَقُولُونَ لاَ قَدَرَ، مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَلاَ تَشْهَدُوا جِنَازَتَهُ، ومَنْ مَرِضَ مِنْهُمْ فَلاَ تَعُودُوهُ، وَهُمْ شِيعَةُ الدَّجَّالِ، وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أنْ يُلْحِقَهُمْ بِالدَّجَّالِ ) )وأحاديثُ القدَريَّةِ المرفوعةُ كُلُّها ضعيفةٌ، وإنَّما يَصِحُّ منها الموقوفُ، وقد تَقدَّمَ الكلامُ على هَذَا الموضوعِ، وقد اختَلَفَ العلماءُ في تكفيرِ هؤلاء، وأمَّا مَن أَنْكَرَ العِلمَ القَديمَ فنَصَّ الشَّافِعيُّ وأحمدُ وغيرُهما مِن أئمَّةِ الإسلامِ على تكفيرِه، وقد تَقدَّمت الإشارةُ إلى ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت