الصفحة 167 من 233

( والعِبَادُ فاعِلُونَ حَقيقةً، واللهُ [ خَلَقَ ] أَفْعالَهُمْ، والعَبْدُ هُو: المُؤِمنُ، والكافِرُ، والبَرُّ، والفاجِرُ، والمُصلِّي، والصَّائِمُ. [1]

(1) قولُه: (والعِبادُ فاعِلُون ... ) إلخ قال اللَّهُ تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) أيْ: خَلَقَكم والذي تَعمَلُونه، فدلَّتْ على أنَّ أفعالَ العبدِ مخلوقةٌ لِلَّهِ، وعلى أنَّها أفعالٌ لهم حقيقةً، ففيها الرَّدِّ على الجَبْريَّةِ الذين يقولون: إنَّ العبدَ لا فِعلَ له، وفيها الرَّدُّ على القدَريَّةِ الذين يقولون: إنَّ العبدَ يَخلُقُ فِعلَ نَفْسِه استقلالا، وفي حديثِ حذيفةَ: (( إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ ) )، فاللَّهُ -سُبْحَانَهُ- خَلَقَ الإنسانَ بجميعِ أغراضِه وحركاتِه، والآياتُ الدَّالَّةُ على خَلقِ أفعالِ العِبادِ كثيرةٌ، فقولُ المصنِّفِ: (والعِبادُ فاعِلونُ حقيقةً) رَدٌّ على الجَبْريَّةِ الذين يقولون: إنَّ العبدَ ليس بفاعِلٍ أصلا، بل هُوَ مجبورٌ على أفعالِه وواقِعةٌ بغيرِ اختيارِه، وأَنَّ الفاعِلَ فيه سِواهُ والمُحرِّكُ له غيرُه، فهُوَ آلةٌ محضْةٌ، وحركاتُه بمنزلةِ هُبوبِ الرِّياحِ وحركاتِ المُرتَعِشِ، وقد يَغْلُون في ذَلِكَ حتى يَرَوْا أفعالَهم كُلَّها طاعاتٌ خيرُها وشرُّها، لموافَقتِها للمشيئةِ والقَدَرِ، وهؤلاء شرٌّ مِن القدَريَّةِ النُّفاةِ، وأشدُّ عداوةً لِلَّهِ ومناقضةً لكِتابِه ورُسلِه ودِينِه.

قولُه: (واللَّهُ خالِقُ أفعالِهم) ردٌّ على القدَريَّةِ النُّفاةِ الذين يقولون: إنَّ اللَّهَ لم يَخلُقْ أفعالَهم، وأنَّها واقِعةٌ بمشيئَتِهم وقُدْرَتِهم دُونَ مشيئةِ اللَّهِ، وأَنَّ اللَّهَ لم يُقَدِّرْ ذَلِكَ عليهم ولم يَكْتُبْه ولا شاءه، وأَنَّ اللَّهَ لا يَقْدِرُ أنْ يَهدِيَ ضالًا ولا يُضِلَّ مهتديًا، وأَنَّ العِبادَ خالِقون لأفعالِهم بدُونِ مشيئةِ اللَّهِ، فشابَهوا المجوسَ في كونِهم أثْبَتوا خالِقًا مع اللَّهِ، ولِذا سُمُّوا مجوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ، والأدلَّةُ على فسادِ قَولِهم وبطلانِه كثيرةٌ جِداًّ، وقد أطبقَ الصَّحابةُ والتَّابِعونُ على ذَمِّهم وتبدِيعِهم وتضليلِهم، وبَيَّنَ أئمَّةُ الإسلامِ أنَّهم أشباهُ المجوسِ، وأنَّهم قد خالَفوا أدِلَّةَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، بل وخالفوا العقلَ والفطرةَ..

قولُه: (والعبدُ هُوَ المؤمِنُ والكافرُ ... ) إلخ قال تعالى: (يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ) وقال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا) ، وقال: (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ) ، وقال: (فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ على نسبةِ أفعالِ العبدِ إليه مِن أفعالِ عَبيدِه، بل العبدُ حقيقةً هُوَ المُصلِّي والصَّائِمُ، وهل يَليقُ باللَّهِ -سُبْحَانَهُ- أنْ يعاقِبَهم على نَفْسِ فِعلِه، بل إنَّما يُعاقِبُهم على أفعالِهم التي فَعَلُوها حقيقةً، كما قال تعالى: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ) فالعبدُ هُوَ الذي صامَ وصلَّى وأسْلَمَ، وهُوَ الفاعِلُ حقيقةً، يَجعلِ اللَّهِ له فاعِلًا، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) وقال: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ إِلَى النَّارِ) إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ على أَنَّ العبدَ فاعِلٌ حقيقةً: وأنَّ فِعلَه يُنسَبُ إليه، وأنَّه يُثابُ على حَسنَتِه ويجازَى على سيِّئَتِه، قال تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًَّا يَرَهُ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت