الصفحة 166 من 233

ومَعَ ذلك؛ فقدْ أَمَرَ العِبَادَ بطاعَتِهِ وطاعَةِ رسوله، ونَهاهُمْ عن مَعْصِيَتِهِ.

وهُو سُبحانَهُ يُحِبُّ المُتَّقينَ والمُحْسِنينَ والمُقْسِطينَ، ويَرْضى عَنِ الَّذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، ولا يُحِبُّ الكَافِرينَ، ولا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفَاسِقينَ، ولا يَأْمُرُ بالفَحْشاءِ، ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ، ولا يُحِبُّ الفَسادَ ). [1]

(1) قولُه: (ومع ذَلِكَ فقد أمَرَ العِبادَ) إلخ قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) ، وقال: (مُنْ يُطِعِ الرَّسولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) الآيةَ، والإيمانُ بالقدَرِ مِن تمامِ طاعةِ اللَّهِ وطاعةِ رسولِه، ومَن أَثبتَ القَدَرَ وجعلَ ذَلِكَ معارِضًا للأمْرِ فقدْ أَذْهَبَ الأصلَ، فقولُ المصنِّفِ: ومع ذَلِكَ فقد أَمَرَ العِبادَ بطاعَتِه إلخ، إشارةٌ للرَّدِّ على مَن عارَضَ شَرْعَه وأمْرَه بقضائِه وقدَرِه، وجَعلَ مشيئتَه العامَّةَ دَافِعةً للأمْرِ كفِعلِ الزَّنادِقَةِ إذا أُمِروا أو نُهوا احتجُّوا بالقدَرِ، وقد احتجَّ سارقٌ على عُمرَ بالقَدرِ فقال: وأَنَا أَقْطَعُ يَدَكَ بقَضاءِ اللَّهِ وقدَرِه، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى-: مَن ادَّعى أَنَّ العارِفَ إذا شَهِدَ الإرادةَ سَقطَ عنه الأمرُ كان هَذَا مِن الكُفرِ الذي لا يَرضاهُ أحدٌ، بل هَذَا ممتنِعٌ في العقلِ مُحالٌ في الشَّرعِ، انتهى، وقال ابنُ القيِّمِ بعد كلامٍ: والمقصودُ أنَّه لم يُؤمِنْ بالقضاءِ والقدَرِ والحِكمةِ والأمرِ والنَّهيِ والوعدِ والوعيدِ حقيقةَ الإيمانِ إلاَّ أَتباعُ الرُّسلِ وورَثَتُهم.

قولُه: (وهُوَ يُحِبُّ المتَّقينَ) إلخ، هَذَا رَدٌّ عَلَى مَن زَعَم أَنَّ المشيئةَ والمحبَّةَ سواءٌ أو مُتَلازمانِ، كما يقولُه الجبريَّةُ والقدَريَّةُ، وقد دلَّ على الفَرْقِ بينهما الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ والفِطرةُ، قال اللَّهُ تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) مع أنَّ ذَلِكَ كُلَّه بمشيئَتِه، قال تعالى: (وَاللَّهُ لاَ يُحِبَّ الفَسَادَ) مع أنَّه واقعٌ بمشيئَتِه وقَضائِه وقَدرِه، وفي المسنَدِ: (( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ ) )، فَهِذِهِ المحبَّةُ والكَراهةُ لأمرين اجْتمعا في المشيئةِ وافترَقا في المحبَّةِ والكراهةِ، وهَذَا أكثرُ مِن أنْ يُحصرَ، فالمشيئةُ والمحبَّةُ ليس مدلولُهما واحدًا، ولا هُما متلازِمان، بل قد يشاءُ اللَّهُ ما لا يُحبُّه ويُحِبُّ ما لا يشاءُ كونَه، فالأول: كمشيئَتِه لوجودِ إبليسَ وجنودِه، ومشيئتِه العامَّةِ لجميعِ ما في الكونِ مع بُغضِه لبَعْضِه. الثَّاني: كمحبَّتِه لإيمانِ الكفارِ والفجارِ، ولو شاءَ ذَلِكَ لوُجِدَ كُلُّه، فإنَّ ما شاءَ اللَّهُ كان وما لم يشأْ لم يكن، فأهلُ الكِتابِ والسُّنَّةِ يقولون: الإرادةُ في كتابِ اللَّهِ نوعانِ:

الأوَّلُ: إرادةٌ كونيَّةٌ قدَريَّةٌ، والثَّاني: إرادةٌ دِينيَّةٌ شَرعيَّةٌ.

فالإرادةُ الشرعيَّةُ هي المتضمِّنةُ للمحبَّة والرِّضا، والكونيَّةُ هي المشيئةُ الشَّاملةُ لجميعِ الحوادثِ، وقد تقدَّمتِ الإشارةُ إلى ذَلِكَ في الكلامِ على الآياتِ بما فيه الكفايةُ إنْ شاءَ اللَّهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت