الصفحة 165 من 233

فمَا مِنْ مَخْلوقٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إِلا اللهُ خَالِقُهُ سبحانَهُ، لا خَالِقَ غيرُهُ، ولا رَبَّ سِواهُ. [1]

(1) قولُه: (فما مِن مخلوقٍ ... ) إلخ قال تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) وقال: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) فامْتدَحَ بأَنَّ اللَّهَ خَلقَ كُلَّ شيءٍ، وبأنَّه يَعلَمُ كُلَّ شيءٍ، فكما أنَّه لا يَخرُجُ عن عِلمِه شيءٌ فكذا لا يَخرُجُ عن خَلقِه شيءٌ، فثَبتَ أَنَّ الأفعالَ خيرَها وشرَّها كُلَّها صادرةٌ عن خَلقِه وإحداثِه إيَّاها. ا.هـ.

وفي هَذِهِ الآياتِ الرَّدُّ على القدَريَّةِ الذين يَزعُمونَ أَنَّ العبدَ يَخلُقُ فِعلَ نَفْسِه استقلالا بِدُونِ مشيئةِ اللَّهِ وإرادَتِه، ولا شكَّ في بُطلانِ هَذَا المذهبِ وفسادِه ومصادمَتِه لأدلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فإنَّ قولَه -سُبْحَانَهُ-: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) شاملٌ لأفعالِ العِبادِ، لدُخولِها في عُمومِ كُلِّ، ولا يَدخلُ في ذَلِكَ أسماءُ اللَّهِ وصفاتُه، كما أنَّه -سُبْحَانَهُ- لم يَدخُلْ في عُمومِ كُلِّ، فكذَلِكَ أسماؤه وصفاتُه.

قال ابنُ القيِّمِ ما معناه: في هَذِهِ الآياتِ دليلٌ على أنَّه -سُبْحَانَهُ- خالِقُ أفعالِ العِبادِ، كما أنَّه خالِقُ ذواتِهم وصفاتِهم، فالعبدُ كُلُّه مخلوقٌ: صفاتُه وذاتُه وأفعالُه، ومَن أَخْرَجَ أفعالَه عن خَلقِ اللَّهِ فقد جَعلَ فيه خالِقًا مع اللَّهِ، ولهَذَا شبَّهَ السَّلَفُ القدَريَّةَ النُّفاةَ بالمجوسِ، وقالوا: هُم مجوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ، صح ذَلِكَ عن ابنِ عبَّاسٍ. ا. هـ.

قولُه: (لا خالِقَ غيرُه ولا رَبَّ سِواهُ) إشارةٌ إلى الرَّدِّ على القدَريَّةِ المجوسيَّةِ الذين يُثبتون مع اللَّهِ خالِقينَ للأفعالِ ليست أفعالُهم مَقدُورةً له، وَهِيَ صادرةٌ بغيرِ مشيئَتِه وإرادَتِه، ولا قُدرةَ له عليها، فرُبوبِيَّتُه -سُبْحَانَهُ- الكامِلةُ المطلَقَةُ تُبطِلُ أقوالَ هؤلاءِ كُلِّهم؛ لأنها تَقْتَضِي ربوبيَّتَه لجميعِ ما فيه مِن الذَّواتِ والصِّفاتِ والحركاتِ والأفعالِ، وحقيقةُ قولِ هؤلاء أنَّه ليس رباًّ لأفعالِ الحيوانِ ولا تَناوَلَتْها رُبوبِيَّتُه، وكَيْفَ تتناولُ ما لا يَدخُلُ تحتَ قُدرتِه ومشيئَتِه وخَلقِه، أما أهلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فيؤمنون بأَنَّ اللَّهَ خالقُ كُلِّ شيءٍ لا خالِقَ غيرُه، وأنَّه على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، وبشمولِ مشيئَتِه لكُلِّ ما كان، وأنَّه بكُلِّ شيءٍ عليمٌ، فيؤمنون بعمومِ خَلقِه، وشمولِ قُدرتِه، ونفوذِ مشيئَتِه، وعِلمِه بالأشياءِ قبلَ أنْ تكونَ، تقديرُه لها وكتابَتُه إيَّاها قَبلَ أنْ تكونَ، فعندَهم مراتبُ الإيمانِ بالقضاءِ والقَدَرِ أربعٌ كما سَبَقَتْ إشارةُ المصنِّفِ إليها.

الأولى: عِلْمُه السَّابقُ بما هم عامِلون قبلَ إيجادِهم. الثَّانيةُ: كتابَتُه لذَلِكَ في الذِّكْرِ عندَه قَبلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرضِ. الثَّالثةُ: مَشيئَتُه المتناوِلَةُ لكُلِّ مَوجودٍ، فلا خُروجَ لكائنٍ عن مشيئَتِه، كما لا خُروجَ له عَن عِلمِه. الرَّابعةُ: خَلْقُه له وإيجادُه وتَكوينُه، فإنَّه لا خَالِقَ غيرُه ونَظَمَ ذَلِكَ بعضُهم بقولِه:

عِلمٌ كتابةُ مولانا مَشيئتُه ... ... وخَلقُه وهُوَ إيجادٌ وتَكْوينُ

فيجبُ الإيمانُ بالقضاءِ والقدَرِ، ولا يجوزُ الاحتجاجُ بِهِ في تَرْكِ أوامِرِ اللَّهِ، وفِعلِ نَواهِيهِ، بل يجبُ أنْ نؤمِنَ بِذَلِكَ، ونَعلَمَ أنَّ لِلَّهِ الحُجَّةَ علينا بإنزالِ الكُتُبِ وبَعثِ الرُّسلِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت