فهرس الكتاب
( فَصْلٌ: ومِنْ أُصولِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ سَلاَمَةُ قُلُوبِهِمْ وأَلْسِنَتِهمْ لأصْحابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [1]
(1) فَصلٌ قولُه: (ومِن أصولِ) جَمعُ أصلٍ وهُوَ لغةً: ما يُبْنَى عليه غيرُه، واصطِلاحا: ما له فرعٌ، ويُطلَقُ الأصلُ على أربعةِ أشياءَ: على الدَّليلِ غالِبا، كقولِهم: أصلُ هَذِهِ المسألَةِ الكِتابُ والسُّنَّةُ، أي دَليلُه، الثَّاني: على الرَّاجِحِ مِن الأمرَيْنِ كقولِهم: الأصلُ في الكلامِ الحقيقةُ دُونَ المجازِ. الثَّالِثُ: القاعِدةُ المستمِرَّةُ كقولِهم: أكْلُ الميْتَةِ على خلافِ الأصلِ. الرَّابعُ: المَقِيسُ عليه، وهُوَ ما يُقابِلُ الفَرْعَ في بابِ القياسِ، انتهى، مِن الكوكبِ المُنِيرِ.
قولُه: (سَلامَةُ قُلوبِهم) أي: مِن الغِلِّ والحِقدِ والبُغضِ والعَداوةِ لأصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- وسلامةُ ألسنَتِهم مِن الطَّعنِ فيهم، واللَّعنِ، والوقيعةِ فيهم، كما يَفعَلُه الرَّافِضةُ والخوارِجُ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ اعتقادُ فَضْلهِم رِضوانُ اللَّهِ عليهم، ومعرِفةُ سابِقَتِهم وذِكرُ محاسِنهِم والتَّرَحُّمُ عليهم، والاستغفارُ لهم، والكَفُّ عمَّا شَجَرَ بينهم، فإنَّهم خَيرُ القُرونِ وهم السَّابِقون الأوَّلون، وفي الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن ذِكرِ فَضائِلِهم ومناقِبِهم ومَقاماتِهم الحميدةِ ما لا يَتَّسِعُ لذِكْرِه هَذَا المختصَرُ، فلا مَقامَ بعد مَقامِ النُّبوَّةِ أَعْظمُ مِن مقامِ قومٍ ارتضاهُم اللَّهُ لصُحبةِ نبِيِّه ونُصرةِ دِينِه، فهم أَسْعدُ الأمَّةِ بإصابةِ الصَّوابِ، وأجْدَرُ بفِقهِ السُّنَّةِ والكتابِ لفَوزِهم بصُحبةِ نَبِيِّه، فلا يُبارَوْن في فَهمِهم، ولا يُجارَوْن في عِلمِهم، فكُلُّ عِلمٍ وخيرٍ وصلَ فبِسبَبِهم، قال اللَّهُ تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) الآيةَ، وفي هَذِهِ الآيةِ أَعْظَمُ رَدٍّ على الرَّافِضَةِ والخوارجِ.
قولُه: (لأصحابِ ... ) إلخ، جَمعُ صَاحبٍ والصَّحابِيُّ هُوَ مَنِ اجتمعَ بالنَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- مُؤْمِنًا بِهِ وماتَ على ذَلِكَ، قيل: ولو تخللته رِدَّةٌ، وقال البخاريُّ: مَن صَحِبَ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أو رآه مِن المسلِمِينَ فَهُوَ مِن أصحابِه. انتهى. وآخِرُ مَن ماتَ منهم -رضي اللَّهُ عنهم- هُوَ أبو الطُّفَيْلِ عامِرُ بنُ وِائلَةَ اللَّيْثِيُّ كما جَزَمَ بِهِ مُسْلِمٌ في"صحيحِه"، وكان مَوْتُه سَنةَ مائةٍ، وقيل: سَنَةَ مائةٍ وعشَرةَ، وأمَّا عددُ الصَّحابةِ فقيل مائةُ ألفٍ وأربعةٌ وعِشرون ألْفًا، كما قال السيوطيُّ:
والفَضْلُ فيما بينهم مَراتِبُ ... ... وَعَدُّهُمْ للأنْبِيا يُقارِبُ
وكُلُّهم عُدولٌ ثِقاتٌ لا يُفَتَّشُ عن عدالةِ أحدٍ منهم بالإجماعِ، وحكى الإجماعَ ابنُ الصَّلاحِ وابنُ عبدِ البَرِّ، وحكاه إمامُ الحرمَيْنِ، وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ: الذي عليه جمهورُ سَلَفِ الأمَّةِ وجمهورُ الخلَفِ أَنَّ الصَّحابةَ كُلُّهم عُدولٌ بتعديلِ اللَّهِ لهم فيما أَنْزَلَه على رسولِه بقولِه:(وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
وَرَضُواْ عَنْهُ)، اهـ.