الصفحة 179 من 233

كَمَا وَصَفَهُمُ اللهُ بهِ في قَوْلِهِ تَعَالى: ( وَالَّذِينَ جَاؤوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإِخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيْمانِ وَلاَ تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ ) . [1]

(1) قولُه: كما وَصَفَهم اللَّهُ في قولِه: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) الآيةَ، أي كما وَصَفَ أتباعَهم بإحسانٍ بقولِه: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) وهم التَّابِعُونَ الذين يَجيئون بعد المهاجِرينَ والأنصارِ إلى يومِ القِيامةِ.

قولُه: (يَقُولونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا) أي: يَسأَلُونَ اللَّهَ المغفِرةَ لهم ولإِخْوانِهم في الدِّينِ الذين سَبَقُوهم بالإيمانِ، وهم أصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-.

قولُه: (وَلاَ تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا) أيْ: ولا تَجعَلْ في قلوبِنا بُغْضًا وحَسَدًا وغِشًّاللذين آمَنوا، وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ الذي رواه الترمذيُّ: (( ثَلاَثٌ لاَ يُغَلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَاءَهُمْ ) )، أي أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَ تَنْفِي الغِلَّ عن القلبِ، فلا يَبْقَى فيه معها غِلٌّ ولا غِشٌّ، فالإخلاصُ يَمنَعُ غِلَّ القلبِ وفسادَه، وَكَذَلِكَ النَّصيحةُ فإنَّها لا تُجامِعُ الغِلَّ، فمَن نَصحَ الأئِمَّةَ والأُمَّةَ فقد بَرِئَ مِن الغِلِّ، وهَذَا بخلافِ أهلِ البِدَعِ مِن الرَّافضةِ والخوارجِ والمعتزِلةِ وغيرِهم، فإنَّ قُلوبَهم ممتلئةٌ غِلاًّ وغِشاًّ، ولهَذَا تَجدُ الرَّافِضةَ أبعدَ النَّاسِ مِن الإخلاصِ، وأغَشَّهم للأئِمَّةِ والأُمَّةِ، وأشدَّهُم بُعدًا عن جماعةِ المسلِمِينَ، وفي هَذِهِ الآيةِ الحثُّ على مَحبَّةِ جميعِ المؤمنينَ ومَوَدَّتِهم والدُّعاءِ لهم والاستغفارِ، وأنَّ مِن صفاتِ المؤمنينَ سلامةَ قلوبِهم مِن الغِلِّ والحِقدِ والبُغضِ لإخوانهم المؤمنينَ، كما في"الصَّحيحَيْنِ"من حديثِ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ: (( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سِائِرُ الأَعْضَاءِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ ) ). وعن أنسٍ -رضي اللَّهُ عنه- أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( لاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ ) ). متَّفقٌ عليه.

قولُه: (رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) رَءُوفٌ أي: ذو رَأْفةٍ وَهِيَ أشدُّ الرَّحمةِ، وهُوَ أبلَغُ مِن الرَّحيمِ، تَضمَّنَتْ هَذِهِ الآيةُ الثَّناءَ على المهاجِرينَ والأنصارِ، وعلى الذين جَاءُوا مِن بعدِهم يَستغفِرون لهم ويَسألُونَ اللَّهَ أنْ لا يَجعَلَ في قُلوبِهم غِلاًّ لهم، وتضمَّنَتْ أنَّ هؤلاء الأصنافَ هم المستحِقُّون للفَيْءِ، ولا رَيْبَ أَنَّ الرَّافضةَ خارِجون مِن الأصنافِ الثَّلاثةِ فإنَّهم لم يَسْتَغفِروا للسَّابِقِينَ، وفي قُلوبِهم غِلٌّ عليهم، ففيها الثَّناءُ على الصَّحابةِ وعلى أهلِ السُّنَّةِ الذين يَتَوَلَّوْنَهم، وإخراجُ الرَّافِضةِ مِن ذَلِكَ، وروى ابنُ بَطَّةَ وغيرُه عن مالكِ بنِ أَنسٍ، قال: مَن سَبَّ السَّلَفَ فليس له منِ الفيءِ مِن نصيبٍ، واستدلَّ بالآية، ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ -رضي اللَّهُ عنه- أنَّه قال: أَمَرَ اللَّهُ بالاستغفارِ لأصحابِ مُحَمَّدٍ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- وهُوَ يَعلَمُ أنَّهم يَقْتَتِلون.

وعن عائشةَ -رضي اللَّهُ عنها-: أُمِرْتُمْ بالاستغفارِ لأصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- فسَببْتُموهُم، سَمِعْتُ نبيَّكُم يقولُ: (( لاَ تَذْهَبُ هَذِهِ الأمَّةُ حَتَّى يَلْعَنَ آخِرُهَا أَوَّلَهَا ) )، ورواهُ البَغَويُّ. قال العِمادُ بنُ كثيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: فيا وَيْلَ مَن سَبَّهم أو أبْغَضَهم أو أبْغَضَ أو سَبَّ بَعْضَهم، ولا سِيَّما سِيِّدُ الصَّحابةِ بعدَ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- وخَيْرُهم وأَفْضَلُهم - أعني الصِّدِّيقَ الأكبرَ والخليفةَ الأعظمَ أبا بكرِ بنَ قُحافةَ -رضي اللَّهُ عنه-، فإنَّ الطَّائفةَ المخذولةَ مِن الرَّافِضةِ يعادُونَ أفضلَ الصَّحابةِ ويُبغِضونهم ويَسُبُّونهم - عِياذا باللَّهِ مِن ذَلِكَ -، وهَذَا يَدُلُّ على أنَّ عُقولَهم مَعكوسةٌ وقُلوبَهم مَنكُوسةٌ، فأَيْنَ هؤلاء مِن الإيمانِ بالقرآنِ؛ إذْ يَسبُّون مَن -رضي اللَّهُ عنهم-، وأمَّا أهلُ السُّنَّةِ فإنَّهم يَتَرَضَّوْن عمَّن رضي اللَّهُ عنه، ويَسبُّون مَن سبَّهُ اللَّهُ ورسولُه، ويُوالُون مَن يُوالِي اللَّهَ، ويُعادُونَ مَن يُعادِي اللَّهَ، وهم متَّبِعون لا مُبتَدِعون، ومُقْتَدُونَ لا مُبتَدُونَ، ولهَذَا هُم حِزبُ اللَّهِ المفلِحونَ وعِبادُه المؤمنون. اهـ.

وقال مالكٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: مَن أصبحَ وفي قَلبِه بُغضٌ لأحدٍ مِن الصَّحابةِ فقد أصابَتْه هَذِهِ الآيةُ، يعني قولَه: (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) الآيةَ، وقد ذَكَرَ بعضُ العلماءِ: أَنَّ الرَّافِضةَ ليسوا مِن فِرَقِ الأمَّةِ المحمَّدِيَّةِ، وباستقراءِ ما هم عليه الآنَ مِن الغُلُوِّ في أهلِ البَيْتِ، والبناءِ على قُبورِهم، وإظهارِ اللَّعْنِ والسَّبِّ لأصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- وسَفاهاتٍ أخرى يَمُجُّها العقلُ والدِّينُ، يَعلَمُ أنَّ هَذِهِ الطَّائِفةَ ليستْ مِن الإسلامِ في شيءٍ، ولذَلِكَ صَرَّحَ بعضُ العُلماءِ بتَكفيرِهم لسَبِّهم الصَّحابةَ، فقال صاحِبُ تبيينِ المحارمِ: واعلمْ أَنَّ الرَّوافِضَ كفارٌ عندنا؛ لأنَّهم يَسُبُّونَ أبا بكرٍ وعمرَ -رضي اللَّهُ عنهما-، وَكَذَلِكَ مَن أنْكَرَ خِلافَتَهُما يُكفَّرُ عندنا على الأصَحِّ، وإمامُ هَذِهِ الطَّائفةِ الخبيثةِ منافِقٌ معروفٌ يَهودِيُّ الأصلِ، وهُوَ عبدُ اللَّهِ بنُ سبأٍ ادَّعى الإسلامَ حِيلةً وسَعَى جَهدَه لتفريقِ وتشتيتِ الكلمةِ، وأَدْرَكَ بعضَ قَصدِه بقَتْلِ عثمانَ -رضي اللَّهُ عنه-، ثم أظْهَرَ الغُلُوَّ في عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، وقِصَّتُه مشهورةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت