فهرس الكتاب
وطاعةالنبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قَوْلِهِ: (( لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ ) ). [1]
(1) حديثُ (( لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي ) )رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهما مِن حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ -رضي اللَّهُ عنه- قال: كان بين خالدِ بنِ الوليدِ وعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ شيءٌ فسَبَّهُ خالدٌ. فقال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ ) )انفردَ مسلمٌ بذِكرِ سَبِّ خالدٍ لعبدِ الرحمنِ دُونَ البخاريِّ، فقولُه: (( لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي ) )يعني عبدَ الرَّحمنِ بنَ عوفٍ وأمثالَه مِن السَّابِقين الأوَّلِين، فَهُم أَفْضلُ وأخصُّ بصُحْبَتِه ممَّن أَسْلَم بعدَ بيعةِ الرِّضوانِ، وبعدَ مُصالحةِ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أهلَ مكةَ، ومنهم خالدُ بنُ الوليدِ، فنَهْيُ مَن له صحبةٌ أنْ يَسُبَّ مَن له صحبةٌ أَوْلى، لامتيازِهم عنهم مِن الصُّحبةِ بما لا يمكنُ أنْ يُشَارِكوُهم فيه، حتَّى لو أَنْفَقَ مِثلَ أُحدٍ ذَهبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أحدِهم ولا نَصيفَه، فإذا كان هَذَا حالُ الذين أَسْلَموا بعدَ الحديبيةِ فكَيْفَ حالُ مَن ليس مِن الصَّحابةِ بحالٍ.
قولُه: (( لا تَسُبُّوا ) )أي: لا تَشْتُموا.
قولُه: (( أُحُدٍ ) )هو جَبلٌ معروفٌ في المدينةِ سُمِّيَ بذلك لتَوحُّدِه مِن الجبالِ كما ذَكَره السُّهيليُّ.
قولُه: (( مُدَّ ) )المُدُّ مِكيالٌ معروفٌ، وهو رطْلٌ وثُلُثٌ بالعِراقيِّ، والنَّصيفُ النِّصْفُ، والمعنى أنَّ غيرَ الصَّحابةِ لو أَنْفَقَ في سَبيلِ اللَّهِ جَبلَ أُحدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحدِهم ولا نَصيفَه في الثَّوابِ، وفي هذا دليلٌ على تحريمِ سبِّ أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- وأنَّه مِن كبائرِ الذُنوبِ، وفيه دليلٌ على تحريمِ لعنِ أصحابِ رسولِ اللَّه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- مِن بابِ أَوْلى، وأنَّه مِن كبائرِ الذُّنوبِ، فإنَّ الحديثَ صريحٌ في تحريمِ السَّبِّ، واللَّعنُ أَعظمُ مِن السَّبِّ، وفي الحديث أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ ) )وأصحابُه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- خِيارُ المؤمنينَ، كما قال -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِى ) )الحديثَ، وروى الترمذيُّ عن عبدِ اللَّه بنِ مغفَّلٍ -رضي اللَّهُ عنه- قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبُحِبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبُبْغِضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوِشُكُ أَنْ يَأْخُذَهُ ) )قال الترمذيُّ: حديثٌ غريبٌ، إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الأحاديثِ الدَّالَّةِ على وجوبِ احترامِهم وحِفظِ كرامَتِهم، وتحريمِ سَبِّهم والطَّعنِ فيهم ولَعْنِهم.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَن لَعَنَ أحدًا مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- فإنَّه يستحِقُّ العقوبةَ البالغةَ باتِّفاقِ المسلِمِينَ، وقد تَنازَعُوا هل يُعاقَبُ بالقَتلِ أوْ ما دُونَ القَتلِ، واستدلَّ بهَذَا الحديثِ على عدالةِ جميعِ الصَّحابةِ لِثَناءِ النَّبيِّ هَذَا الثَّناءَ العظيمَ الدَّالَّ على فَضلِهم وعدالَتِهم، وفيه دليلٌ على تَفضيلِ الصَّحابةِ كُلِّهم على جميعِ مَن بعدَهم، وهُوَ قولُ الجمهورِ.
قال بعضُ السَّلَفِ: - لَمَّا سُئِلَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ومعاويةَ أيُّهما أَفْضَلُ؟ قال: غُبارٌ في أَنْفِ معاويةَ مع رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أَفْضلُ مِن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وسَببُ تفضيلِ نفقَتِهم أنَّها كانتْ في وقتِ الضَّنْكِ، والضِّيقِ بخلافِ غيرِهم، ولأنَّ إنفاقَهم كان في نُصرَتِه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- وحمايَتِه، وَذَلِكَ معدومٌ بعدَه، وكذا جهادُهم وسائرُ طاعاتِهم كما قال تعالى: (لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) .