فهرس الكتاب
مِنْ فَضائِلِهِمْ ومَراتِبِهِمْ ويُفَضِّلُونَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ - وهُو صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ - وقاتَلَ عَلى مَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدُ وقَاتَلَ، ويُقَدِّمُونَ المُهَاجِرينَ عَلى الأنْصارِ، ويُؤمِنُونَ بأَنَّ اللهَ قالَ لأهْلِ بَدْرٍ - وكَانُوا ثَلاثَ مئةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ: (( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ ) ). [1]
(1) قولُه: (مِن فضائِلِهم) هُوَ جمعُ فضيلةٍ وهُوَ الخَصلةُ الجميلةُ التي يَحصُلُ لصاحِبِها بَسبَبِها شَرَفٌ وعُلُوُّ مَنْزِلَةٍ. انتهى.
قولُه: (ومَراتِبِهم) جمعُ مرتبةٍ، والمرتبةُ بالضمِّ هي المنْزِلةُ والمكان، وفيه جوازُ المفاضَلةِ بين الصَّحابةِ، وهُوَ الذي تَدُلُّ عليه الأدِلَّةُ، وبِهِ قال الجمهورُ، فعندَ أهلِ السُّنَّةِ أَفْضلُ الصَّحابةِ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، ثم عُمرُ الفاروقُ، ثم عثمانُ ذو النُّورَيْنِ، ثم عَلِيٌّ المُرْتَضَى، ثم بقيَّةُ العشَرةِ المشهودِ لهم بالجَنَّةِ، ثم أهلُ بدرٍ، ثم بيعةُ الرِّضوانِ، ثم أُحدٌ، ثم بقيَّةُ الصَّحابةِ، ثم باقي الأمَّةِ أفضلُ مِن سائرِ الأممِ، كما قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) الآيةَ، وفي السُّننِ مِن حديثِ أبي هريرةَ -رضي اللَّهُ عنه-: (( أَنْتُمْ تُوَفُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ ) ).
قولُه: (مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ) وهؤلاء هم السَّابِقون مِن المهاجِرينَ والأنصارِ، والمذكورونَ في قولِه: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ..) الآيةَ، فالسَّابِقونَ: هم الذين أنْفقُوا مِن قَبلِ الفتحِ وقاتَلُوا، وأهلُ بيعةِ الرِّضوانِ كُلُّهم منهم، قال تعالى: (لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) . أي لا يَستوي في الأجرِ والثَّوابِ مَن أنْفقَ مالَه في سبيلِ اللَّهِ ونُصرةِ رسولِه قَبلَ الفتحِ ومَن أنْفقَ بعدَه، وَذَلِكَ أَنَّ الإِنْفاقَ قَبلَ الفتحِ في حالِ شِدَّةٍ وضَعفٍ، فلم يَكُنْ يُؤمِنُ حينئذٍ إلا الصِّدِّيقونَ، أمَّا بعد الفتحِ فإنَّه ظَهَرَ الإسلامُ ظُهورًا عظيمًا ودخَلَ النَّاسُ في دينِ اللَّهِ أفْواجًا، والمرادُ هنا بالفتحِ هو: صلحُ الحديبيةِ كما أشارَ إليه المصنِّفُ.
وفي صحيحِ البخاريِّ عن أنسٍ في قولِه تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) هُوَ صُلْحُ الحديبيةِ. وعن البراءِ: (( أنتم تَعُدُّونَ الفتحَ فتحَ مكةَ، وقد كان فتحُ مكةَ فتحًا، ونحن نَعُدُّ الفتحَ بيعةَ الرِّضوانِ يومَ الحديبيةِ ) )ذَكَرَه البخاريُّ، وسُئِلَ النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- عن صُلحِ الحديبيةِ أفتحٌ هو؟ قال: (( نَعَمْ ) ). قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وأهلُ العِلمِ على أنَّه أُنْزِلَ فيه - أي صُلحِ الحديبيةِ - (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) ، قال وَهَذِهِ الآيةُ نصٌّ على تَفضيلِ المُنْفِقينَ المقاتِلينَ قبلَ الفتحِ على المنفِقينَ بعدَه، ولهَذَا ذَهَبَ جمهورُ العلماءِ إلى أَنَّ السَّابِقِين في قولِه، والسَّابقون الأوَّلون، هم الذين أنْفَقُوا مِن قبلِ الفتحِ وقاتَلوا وأهلُ بيعةِ الرِّضوان كُلُّهم منهم، وذَهَبَ بعضُهم إلى أَنَّ السَّابِقِينَ مَن صلَّى إلى القِبلتَيْنِ وهَذَا ضعيفٌ، وأطالَ الكلامَ في رَدِّ هَذَا القولِ في كتابِه المنهاجِ. انتهى. وكانتْ بيعةُ الرِّضوانِ عامَ الحديبيةِ سَنةَ سِتٍّ مِن الهجرةِ، وبِذَلِكَ الصُّلْحِ حَصَلَ مِن الفتحِ والخيرِ ما لا يَعلَمُه إلاَّ اللَّهُ، مع أنَّه كَرِهَه خَلْقٌ كثيرٌ مِن المسلِمِينَ، ولم يَعلَموا ما فيه مِن حُسنِ العاقبةِ، وكان عددُ الصَّحابةِ الذين بايعوا النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- تحت الشَّجرةِ أكثرَ مِن ألْفٍ وأربعِمائةٍ، وهم الذين فتَحوا خَيْبَرَ، وسورةُ الفتحِ أَنْزَلها اللَّهُ قبلَ فتحِ مكةَ، إنَّما سمِّي صلحُ الحديبيةِ فتحًا؛ لِمَا حَصلَ فيه مِن الخيرِ الكثيرِ الذي لا يَعلَمُه إلاَّ اللَّهُ. قال في الهدى: وسمِّي صلحُ الحديبيةِ فتحًا، في اللغةِ عبارةٌ عن فتحِ المُغلَقِ، والصُّلحُ الذي حَصلَ مع المشركين في الحديبيةِ كان بابُه مَسدودًا مُغلَقًا، حتى فَتحَه اللَّهُ. انتهى. وقال ابنُ كثيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: والجمهورُ على أَنَّ المرادَ بالفتحِ ها هنا: فتحُ مكةَ. ا.هـ.
قولُه: (الحديبيةُ) كدُوَيْهِيَةَ، وقدْ تشَدَّدُ، بئرٌ قُرْبَ مكةَ انتهى. قاموسٌ، في هَذِهِ الآيةِ دليلٌ على أَنَّ الصَّدقةَ - وَكَذَلِكَ سائرُ الأعمالِ - تَتفاضَلُ بحسَبِ الزَّمانِ والمكانِ، وفيها دليلٌ على فَضْلِ النَّفقةِ في سبيلِ اللَّهِ، وفَضلِ الجِهادِ في سبيلِ اللَّهِ، وفيها دليلٌ على تفاضُلِ الصَّحابةِ رِضوانُ اللَّهِ عليهم، واستُدِلَّ بهذه الآيةِ على أَنَّ الصَّحابةَ كُلَّهُم مِن أهلِ الجَنَّةِ، قال ابنُ حزمٍ: الصَّحابةُ مِن أهلِ الجَنَّةِ قَطْعًا واستدَلَّ بهذه الآيةِ.
قولُه: (ويقدِّمون المهاجِرَين على الأنصارِ) وَذَلِكَ لِمَا فَضَّلُهم اللَّهُ بِهِ مِن المنْزِلةِ والشَّرفِ، والتَّقديمِ في الذِّكْرِ والرُّتبةِ كما قال -سُبْحَانَهُ-: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ) ، وقال: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) الآيةَ.
قولُه: (والمهاجِرين) وهم الذين هاجَروا مِن مكةَ إلى المدينةِ. انتهى. قَسطلانيٌّ، وقال في الفتحِ: والمرادُ بالمهاجرينَ مَن عَدا الأنصارِ، ومَن أَسلمَ يَومَ الفتحِ وهلمَّ جرَّا. اهـ.
والهجرةُ هنا لغةً: التَّرْكُ، وشَرْعا: هُوَ الانتقالُ مِن بلدِ الشِّركِ أو بلدٍ تَغْلُبُ فيه أحكامُ البِدَعِ المُضِلَّةِ إلى بلدِ الإسلامِ أو السُّنَّةِ.
قولُه: (الأنصارُ) أي: أنصارُ رَسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-، المرادُ بهم الأوسُ والخزرجُ، وكانوا يُعرفون قبل ذَلِكَ ببني قيلةَ، وَهِيَ الأُمُّ التي تَجمعُ القَبيلتَيْنِ، فسمَّاهم الرَّسولُ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- الأنصارَ، فصار ذَلِكَ عَلَمًا عليهم، وخُصُّوا بهذه المنْقَبةِ العُظمى دُونَ غيرِهم مِن القبائلِ، لِما فَازُوا بِهِ مِن إيواءِ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- ومَن معه، والقيامِ بأَمْرِهم ومُواساتِهم بأنْفُسِهم وأموالِهم، والأحاديثُ في فضلِ الأنصارِ كثيرةٌ، كحديثِ أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ ) ).
قولُه: (ويُؤمِنون بأَنَّ اللَّهَ ... ) إلخ: كما روى الحاكِمُ في المستدرَكِ عن أبي هريرةَ -رضي اللَّهُ عنه- أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( إِنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ ) )، وفي صحيحِ مسلمٍ عن جابرٍ -رضي اللَّهُ عنه- أنَّ غلامًا لحاطِبٍ، قال: ليَدخُلَّنَ حاطِبٌ النَّارَ، فقال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( كَذَبْتَ إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ ) )، وفي الصَّحيحِ مِن حديثِ عليٍّ -رضي اللَّهُ عنه- في قِصَّةِ كتابِ حاطبِ بنِ أبي بَلْتعةَ لقريشٍ يُخبِرُهم بخروجِ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-، فقال عُمرُ -رضي اللَّهُ عنه-: دَعْني أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا المنافِقِ، فقال: (( إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوْا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ ) )رواهُ الإمامُ أحمدُ.
قولُه: (( لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ ) )الحديثَ، صرَّحَ العلماءُ بأَنَّ التَّرَجِّيَ المذكورَ في كلامِ اللَّهِ وكلامِ رسولِه للوُقوعِ، وقد وقع عندَ أحمدَ وأبي داودَ وغيرِهم في حديثِ أبي هريرةَ بالجزمِ، ولَفظُه: (( إِنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ... ) )الحديثَ، وفي هَذِهِ الأحاديثِ دليلٌ على فضيلةِ أهلِ بدْرٍ، وبِشارةٌ عظيمةٍ لهم، قال النَّوويُّ في شَرحِ مسلمٍ، قال العلماءُ رَحِمَهُم اللَّهُ: معناهُ الغفرانُ لهم في الآخرةِ، فإنْ تَوَجَّهَ على أَحَدٍ منهم حَدٌّ أو غيرُه أُقِيمَ عليه في الدُّنْيَا. ونَقَلَ القاضي عياضٌ الإجماعَ على إقامةِ الحَدِّ، وأقامَه عُمرُ على بعضِهم، وقال وضَرَبَ النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- مِسْطحًا وكان بَدْرياًّ. انتهى.
قولُه: (وكانوا ثَلاثَمائةٍ وبِضعةَ عَشَرَ) أي: عِدَّةَ أهلِ بدْرٍ، كما روى البخاريُّ عن البراءِ بنِ عازبٍ -رضي اللَّهُ عنه- قال: كُنَّا أصحابَ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- نتحدَّثُ أنَّ عِدَّةَ أصحابِ بدرٍ على عِدَّةِ أصحابِ طَالوتَ الذين عَبَروا معه النَّهَرَ، ولم يجاوِزُه معه إلاَّ مؤمنٌ بِضعةَ عشَرَ وثلاثُمائةٍ، وبدرٌ قريةٌ مشهورةٌ على نحو أربعِ مراحِلَ مِن المدينةِ المنوَّرةِ، وسمِّيت الوقعةُ باسِمِ مَوْضِعها الذي وَقَعت فيه، ووقعةُ بدرٍ من أشهرِ الوقائعِ التي أَعَزَّ اللَّهُ بها الإسلامَ وقمَعَ بها عَبَدَةَ الأصنامِ.
وكانت وقعةُ بدرٍ نَهارَ الجمعةِ لِسبعَ عشْرةَ خلَتْ مِن رمضانَ مِن السَّنةِ الثَّانيةِ مِن الهجرةِ، واستُشِهدَ فيها مِن المسلِمِينَ أربعةَ عَشَرَ نَفْسا سِتَّةٌ مِن المهاجِرينَ وثمانيةٌ مِن الأنصارِ، وقُتِلَ مِن الكفَّارِ سَبْعونَ.