الصفحة 184 من 233

(1) قولُه: (وبأنَّه لا يَدْخُلُ النَّارَ) إلخ: قال اللَّهُ تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللَّه عَلَى النَّبيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) وقال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) الآيةَ، وفي صحيحِ مسلمٍ مِن حديثِ جابرٍ -رضي اللَّهُ عنه- أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) )، وفي"الصَّحيحَيْنِ"وغيرِهما مِن حديثِ جابرٍ -رضي اللَّهُ عنه- قال: كنَّا في الحديبيةِ ألْفًا وأربعَمائةٍ، فقال لنا رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ ) )أفادَ هَذَا الحديثُ أنَّ عَدَدَ مَن بايعَ تحتَ الشَّجرةِ ألْفٌ وأربعُمائةٍ، وفي روايةٍ مِن حديثِ جابرٍ أنَّهم ألْفٌ وخمسُمائةٍ، وفي حديثِ البراءِ أنَّهم ألْفٌ وأربعُمائةٍ أو أكثرُ، وجُمِعَ بين هَذِهِ الرِّواياتِ بأنَّ مَن قال ألْفٌ وخمسُمائةٍ جَبَرَ الكَسْرَ، ومَن قال ألْفٌ وأربعُمائةٍ ألْغَاه، وكان سببُ هَذِهِ البَيعةِ أنَّهُ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قَصَدَ مكَّةَ ليَعتَمِرَ فصدَّهُ المشركونَ، وكان قد بَعثَ عثمانَ -رَضِيَ اللَّهُ عنه- إلى مكةَ فشاع أنَّ عثمانَ قُتِلَ، فطَلَبَ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- البيعةَ فبايَعوه تحت الشَّجرةِ، ثم صالَحَ المشركين صُلحَ الحديبيةِ المعروفِ، وَذَلِكَ في سَنةِ سِتٍّ مِن الهجرةِ في ذي القَعدةِ، ثم رجع بهم إلى المدينةِ وغَزا بهم خيبرَ ففَتحَ اللَّهُ عليهم في أوَّلِ سَنةِ سبعٍ وقَسَمها بينهم.

قولُه: (شجرةٌ) هي شجرةٌ خضراءُ مِن سِدرٍ، كانت البيعةُ تحتها، ويقالُ لها شَجرةُ البيعةِ، ولما كان في خِلافةِ عُمرَ، رأى أناسًا يَذْهَبون إليها فيُصلُّون تحتها، فقَطَعَها -رضي اللَّهُ عنه- مخافةَ الفِتنةِ بها، واختَفى مكانُها. وأمَّا الحديبيةُ فهي قريبةٌ مِن مكَّةَ أكثرُها في الحَرمِ، والحديبيةُ بئرٌ كانت هناكَ وسُمِّيَ المكانُ بها، بينها وبين مكةَ نحوُ مرحلةٍ واحدةٍ، ومِن المدينةِ تِسعُ مراحِلَ.

قولُه: (ونَشهَدُ بالجَنَّةِ ... ) إلخ، أي ويَشهَدُ أهلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ بالجَنَّةِ لِمَن شَهِدَ له الرَّسولُ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- كالعشَرةِ، وهم: أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ، والزُّبيرُ بنُ العوَّامِ، وسعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ، وسعيدُ بنُ زيدٍ، وأبو عُبيدةَ بنُ الجرَّاحِ، وطلحةُ، كما روى الترمذيُّ في جامِعه عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ -رضي اللَّهُ عنه- عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( أَبُو بَكْرٍ فِي الجَنَّةِ، وعُمَرُ فِي الجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ في الجَنَّةِ، وعَلِيٌّ في الجَنَّةِ، والزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ في الجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ في الجَنَّةِ، وَسَعْدُ بنُ أبي وقَّاصٍ في الجَنَّةِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ في الجَنَّةِ، وأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ في الجَنَّةِ ) )، ورواه أحمدُ في مسنَدِه، والضِّياءُ عن سعيدِ بنِ زيدٍ، وتبشيرُ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- العشَرةَ بالجَنَّةِ لا يُنافي مَجِيءَ تبشيرِ غيرِهم في أخبارٍ أخرى؛ لأنَّ العَدَدَ لا ينفي الزَّائِدَ.

وعن عليٍّ -رضي اللَّهُ عنه- أَنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الجَنَّةِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ إِلاَّ النَّبِيِّينَ والْمُرْسَلِينَ ) )، أَخرجَه أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجهْ، وأَخرجَه أبو يعلى والضِّياءُ في المختارةِ عن أنسٍ، وأَخرجَه الطَّبرانيُّ في الأوسطِ عن جابرٍ وأبي سعيدٍ، وقد اتَّفقَ أهلُ السُّنَّةِ على تعظيمِ هؤلاءِ العشَرةِ وتقديمِهم، لِمَا اشتُهِرَ مِن فضائِلهم ومناقِبهم، خِلافًا للرَّافِضَةِ الذين يُبْغِضُونَهم ويَسُبُّونَهم، بل يَكرهون لفظَ العَشَرةِ أو فِعلَ شيءٍ يكونُ فيه عشَرةٌ، ويتشاءَمون بِهِ لموافَقَتِه لاسمِ العشَرةِ المبشَّرةِ بالجَنَّةِ، لكنَّهم يَسْتَثْنُون عَلياًّ -رضي اللَّهُ عنه-، ولَدَيهِم مِن الجهالاتِ والعوائدِ الذَّميمةِ وسَفاهَةِ العُقولِ ما يَقْضِى بعَزلِهم عن زُمرةِ العقلاءِ، وإلا فما ذَنْبُ هَذَا النَّوعِ من العدَدِ؟! لكنَّه البُغضُ المتأصِّلُ والعداوةُ البالِغةُ لخيارِ المؤمنينَ وساداتِهم، وأفضْلُ قُرونِهم رِضوانُ اللَّهِ عليهم أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت