الصفحة 2 من 233

بالهُدَى ودِيْنِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّين كُلِّهِ وكَفَى باللهِ شَهِيدًا [1]

(1) قولُه: ( بالهدى ) : أي العلمِ النَّافعِ.

قولُه: (وَدِينِ الْحَقِّ ) : أي العملِ الصَّالحِ.

قولُه: ( ليظهرَهُ ) : أي يُعْلِيَهُ وينصرَهُ ظهورًا بالحُجَّةِ والبيانِ، والسَّيفِ والسِّنانِ، حتَّى يَظْهَرَ على مخالفيهِ، وقد وقعَ ذلك، فإنّ المسلمين جاهدوا في اللهِ حقَّ جهادِه حتَّى فتحَ اللهُ عليهم فاتَّسعَتْ رُقعةُ البلادِ الإسلاميَّةِ شرقًا وغربًا في مُدَّةٍ يسيرةٍ مع قلَّةِ عددِهِم وعُدَّتِهِم بالنّسبةِ إلى جيوشِ سائرِ الأقاليمِ من الرّومِ والفرسِ والتُّركِ والبَرْبَرِ وغيرِهم، فقهَروا الجميعَ حتَّى عَلتْ كلمةُ اللهِ، وظهرَ دينُه على سائرِ الأديانِ وامتدَّتِ الممالكُ الإسلاميَّةُ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها في أقلَّ من ثلاثين عامًا.

قولُه: ( على الدِّينِ كلِّه ) : أي على سائرِ الأديانِ، كما ثبتَ في الصَّحيحِ مِن حديثِ ثَوْبانَ أَنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (( إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإَنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا ) ). وما في هذا لحديثِ أخبَر بهِ الرَّسولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أوَّلِّ الأمرِ, وأصحابُه في غايةِ القلَّةِ قبلَ فتحِ مكةَ فكانَ كما أخبرَ فَإِنَّ مُلكَهُم انتشرَ في المشرقِ والمغربِ ما بينَ أرضِ الهندِ أقصى المشرقِ إلى بحرِ طنجَةَ في المغربِ، حيث لا عِمارةَ وراءَه وذلك مالم تَمْلِكْهُ أمَّةٌ من الأممِ، وفي حديثِ جابرٍ: (( إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلاَ كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ ) )أخرجاه في الصَّحيحينِ.

قولُه: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ) : أي شاهدًا أَنَّه رسولُه، وهو ناصِرُه ومُعلِيهِ، وَكَفى بِشَهادَتِهِ سُبحانَهُ إثباتًا لصدقِه، وكفى باللهِ شهيدًا أي في علمِهِ، واطّلاعِه على أمرِ مُحمَّدٍ، كفايةً في صدقِ هذا المخبِرِ عنهُ، إذ لو كان مُفْتَرِيًا لَعاجَلَه بالعقوبةِ البليغةِ، كما قالَ تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ ) الآيةَ.

ومن أسمائهِ سبحانَه الشَّهيدُ، قالَ اللهُ تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) أي أَنَّه لا يغيبُ عنه شيءٌ، ولا يعْزُبُ عنه، بل هو مُطَّلِعٌ على كلِّ شيءٍ مُشاهِدٌ له عليمٌ بتفاصيلِه، فشهِدَ سبحانَهُ لرسولِه أنَّ ما جاء به حقٌّ وصدقٌ، فلا يليقُ به سبحانه أن يُقِرَّ من يكذبُ عليه أعظمَ الكذبِ، ويخبرُ عنهُ بخلافِ ما الأمرُ عليه ثمَّ ينصرَهُ, ويؤيِّدُه, ويُعْليَ شأنَه، ويجيبَ دعوتَه، ويُظهِرَ على دينِهِ من الآياتِ والبراهينِ ما يعجَزُ عن مثلِهِ قُوَى البشرِ، وهو مع ذلك كاذبٌ عليه ومُفترٍ، ومعلومٌ أنَّ شهادتَهُ سبحانَهُ على كلِّ شيءٍ، واطّلاعَه وقدرتَهُ وحكمتَهُ وعزَّتَهُ وكمالَهُ يَأبى ذلك أشدَّ الإباءِ، ومَن جَوَّزَ ذلك فهو مِنْ أبعدِ النَّاسِ عن معرفتِه سُبحانه. انتهى من كلامِ ابنِ القيّمِ رحمهُ اللهُ سبحانَهُ وتعالى باختصارٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت