( وأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ) [1]
(1) قولُه: ( أشهدُ ) : أي أُقِرُّ وأَعترفُ أنْ لا معبودَ بحقٍّ في الوجودِ إلا اللهُ، وتأتي ( شَهِدَ ) بمعنى أخبرَ كما في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ: (( شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُم عِنْدِي عُمَرُ ) )أي: أخبرني، وتأتي بمعنى حَضَرَ، كما في قولِه سبحانَهُ: (فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) أي حضَرَ، وتأتي بمعنى اطّلعَ كما في قولِهِ سبحانَهُ: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) أي مُطَّلِعٌ. أفاده ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ في كتابِه (( بدائعُ الفوائدِ ) ).
قولُه: (أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ) : أنْ مُخَفَّفةٌ من الثَّقيلةِ.
قولُه: (لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ) أي لا معبودَ بحقٍّ في الوجودِ إلا اللهُ سُبحانَهُ، وهذا معنى هذه الكلمةِ العظيمةِ الَّتي تدلُّ عليه الأدلَّةُ، خلافًا لمن زَعِمَ أنّ معناها القدرةُ على الاختراعِ، كما يقولُه الأشاعِرةُ، فإنَّ المشركين الَّذين بُعِثَ إليهم الرَّسولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقِرُّون بأنَّ اللهَ هو الخالقُ الرَّازقُ المحيي المميتُ المدبِّرُ لجميعِ الأمرِ ولم يُدخِلْهم ذلكَ في الإسلامِ، بل قاتلَهُم رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستحلَّ دماءَهم وأموالَهم، ولمَّا قالَ لَهم رسولُ اللهِ: اعبدوا اللهَ واتركوا ما كانَ يَعبُدُ آباؤُكم، قولُوا لا إلهَ إلا اللهُ، أنكروا ذلك ونَفَروا، وقالوا: أجعلَ الآلهةَ إلهًا واحدًا، فدلَّ على أَنَّ معنى هذه الكلمةِ هو إفرادُ اللهِ بالعبادةِ، وتركُ عبادةِ ما سواه.
وهذه الكلمةُ هي أوَّلُ واجبٍ وأعظمُ واجبٍ على الإطلاقِ، كما في الصَّحيحِ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لمعاذٍ حينَ بعثَهُ إلى اليمنِ (( فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ) )وفي روايةٍ (( إِلى أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ ) )فدلَّ على أنَّ التَّوحيدَ هو أولُ واجبٍ على العبادِ، خلافًا لمن زَعَمَ أَنَّ أولَ واجبٍ معرفةُ اللهِ بالنَّظرِ أو القصدِ إلى النَّظرِ أو الشّكِّ كما هي أقوالٌ لأهلِ الكلامِ المذمومِ، فإِنَّ معرفَةَ اللهِ فِطْريَّةٌ فطرَ اللهُ عليها عبادَه، قالَ تعالى: (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) أي أفي وجودِهِ شكٌّ؟، فإنَّ الفِطَرَ شاهدةٌ بوجودِه مجبولةٌ على الإقرارِ بِه، فإنَّ الاعترافَ به ضروريٌّ في الفِطَرِ السّليمةِ كما قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( كُلُّ مَوْلُودٍ يُوْلَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ) ).
وَلهذه الكلمةِ أركانٌ وشروطٌ إلى غيرِ ذلك من الأبحاثِ المتعلّقةِ ِبهذه الكلمةِ العظيمةِ.
فأركانُ لا إلهَ إلا اللهُ اثنان: النَّفيُ، والإثباتُ، فـ ( لا إلهَ ) نافيًا لجميعِ المعبوداتِ، و ( إلا اللهُ ) مثبِتًا العبادةَ للهِ سُبحانَهُ، وشروطُهما سبعةٌ: العلمُ، واليقينُ، والإخلاصُ، والصّدقُ، والمحبَّةُ، والانقيادُ، والقبولُ، ونَظَمَها بعضُهم بقولِه:-
علمٌ يَقينٌ وإخلاصٌ وَصِدْقُكَ معْ محبّةٍ وانقيادٍ والقَبولِ لها
وَزِيدَ ثامِنُها الكُفرانُ مِنْكَ بما غيرُ الإلهِ من الأوثانِ قَدْ أُلِّها
وتحقيقُها أَنْ لا يُعبدَ إلا اللهُ, كما أَنَّ تحقيقَ شهادةِ أَنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ أَنْ لا يُعبدَ اللهُ إلا بما شرعَ.
وحقُّ هذه الكلمةِ هو فعلُ الواجباتِ وتركُ المحرَّماتِ، وأَمّا فائدتُها وثمرتُها فسعادةُ الدَّارين لِمن قالَها عارِفًا بمعنَاها، عامِلًا بمقتضاها، وأمَّا مجرَّدُ النُّطقِ بِها فقط فإنّهُ لا ينفعُ.
قالَ الشَّيخُ ابنُ تيميةَ رحمهُ اللهُ تعالى: مَنِ اعتقدَ أَنَّه بِمُجَرَّدِ تلفُّظِهِ بِالشهادةِ يدخلُ الجنَّةَ ولا يدخلُ النَّارَ فهوَ ضالٌّ مخالِفٌ للكتابِ والسُّنّةِ والإجماعِ"."
وأمَّا فضلُها فقد تكاثرتِ الأحاديثُ في فضلِ هذه الكلمةِ. منها حديثُ عبادَةَ بنِ الصَّامتِ المتّفقُ عليه أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ ) ). وفي حديثِ أبي سعيدٍ الخدريّ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ قَالَ: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ. قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. الحديثَ"."
وفي هذا الحديثِ وغيرِه ردٌّ على من زَعَمَ أَنَّ الذِّكرَ بالاسمِ المفردِ ( اللهُ ) أفضلُ من الذكرِ بالجملةِ المركَّبةِ، كقولِه: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ وهذا فاسدٌ، فإنَّ الذِّكرَ بالاسمِ المفردِ غيرُ مشروعٍ أصلًا، ولا مفيدٍ شيئًا، ولا هو كلامٌ، ولا يدلُّ على مدحٍ ولا تعظيمٍ، ولا يتعلَّقُ به إيمانٌ ولا ثوابٌ، ولا يدخُلُ الذَّاكرُ بهِ عقدَ الإسلامِ جُمْلَةً، فلو قالَ الكافرُ: ( اللهََ اللهَ ) طولَ عُمُرِهِ لم يصِرْ بذلك مسلمًا، فضلًا أَنْ يكونَ مِنْ جُملةِ الذِّكرِ، أو يكونَ أفضلَ الأذكارِ، إلى آخرِ ما ذكرهُ ابنُ القَيِّمِ - رحمهُ اللهُ - في كتابهِ (( سَفَرُ الهِجْرَتَيْنِ ) ).
وأمَّا نواقضُ لا إلهَ إلا اللهُ فكثيرةٌ جدًّا، ذكرَها العلماءُ في بابِ حُكمِ المُرتدِّ، وأعظمُها الشّركُ باللهِ.
وأمَّا إعرابُ هذه الكلمةِ: فـ ( لا ) نافيةٌ للجنسِ تعملُ عملَ إنَّ ( وإلهَ ) اسمُها مبنيٌّ معها على الفتحِ، وخبرُها محذوفٌ، والتَّقديرُ"حقٌّ"و ( إلاّ ) أداةُ استثناءٍ ملغاةٌ, ولفظُ الجلالةِ مرفوعٌ على البَدَلِيَّةِ.
وأمَّا دَلالتُها على التَّوحيدِ فإنَّها دلَّتْ على أنواعِ التَّوحيدِ الثّلاثةِ، فدلَّتْ على إثباتِ العبادةِ للهِ ونفيِها عَمَّنْ سواهُ، كما دلَّتْ أيضًا على توحيدِ الرُّبوبيَّةِ، فإنَّ العاجزَ لا يَصْلُحُ إلهًا، ودلَّتْ على توحيدِ الأسماءِ والصّفاتِ، فإنَّ مَسْلُوبَ الأسماءِ والصّفاتِ ليس بشيءٍ، بل هو عدمٌ مَحْضٌ، كما قالَ بعضُ العلماءِ: المُشَبِّهُ يَعْبُد صَنَمًا، والمُعَطِّلُ يعبد عَدَمًا، والمُوَحِّدُ يعبدُ إِلهَ الأرضِ والسَّماءِ.
قال الشَّيخُ تقيُّ الدّينِ ابنُ تيميةَ رحمه اللهُ: وشهادةُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ فيها الإِلَهِيَّاتُ، وهي الأصولُ الثَّلاثةُ: توحيدُ الرُّبوبيّةِ، وتوحيدُ الألوهيَّةِ، وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ. وهذه الأصولُ الثَّلاثةُ تدورُ عليها أديانُ الرّسلِ وما أُنزِلَ إليهم، وهي الأصولُ الكبارُ الَّتي دلَّتْ عليها وشهدَتْ بها العقولُ والفِطَرُ"."