فهرس الكتاب
فإَذا كَانَ هذا في الذُّنُوبِ المُحَقَّقَةِ؛ فَكَيْفَ [ الأمُورُ ] الَّتي كَانُوا فِيها مُجْتهِدينَ: إِنْ أَصابُوا؛ فَلَهُمْ أَجْرانِ، وإِنْ أَخْطَؤوا؛ فَلَهُمْ أَجْرٌ واحِدٌ، والخَطَأُ مَغْفُورٌ.
ثُمَّ إِنَّ القَدْرَ الَّذي يُنْكَرُ مِنْ فَعْلِ بَعْضِهِمْ قَليلٌ نَزْرٌ [ مَغْفُورٌ ] في جَنْبِ فَضائِلِ القَوْمِ ومَحاسِنِهِمْ؛ مِن الإِيْمانِ باللهِ، ورَسُولِهِ، والجِهَادِ في سَبيلِهِ، والهِجْرَةِ، والنُّصْرَةِ، والعِلْمِ النَّافعِ، والعَمَلِ الصَّالِحِ. [1]
(1) قولُه: (فإذا كان هَذَا في الذُّنوبِ المحققَّةِ) تَسقُطُ عقوبَتُها عن آحادِ الأمَّةِ بأسبابٍ عديدةٍ فكَيْفَ بأصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- فهم أحَقُّ بِذَلِكَ لِما لهم مِن الفَضائِلِ والسَّوابِقِ والوَعْدِ بالمغفرةِ، إلي غيرِ ذَلِكَ ممَّا لا يُمْكِنُ أنْ يَلْحَقَهُم فيه مَن بَعْدَهم، فإذا كان ما تَقدَّمَ في الذُّنوبِ المحققَّةِ فكَيْفَ الأمورُ التي كانوا فيها مُجْتَهِدِين إنْ أصابوا فلَهُم أَجْرَانِ وإنْ أَخْطَئُوا فَلَهُم أجرٌ واحدٌ، والخطأُ مَغفورٌ، فَهُم مأجورونَ على كِلا الحالَيْن، كما في"الصَّحيحَيْنِ"مِن حديثِ أبي هريرةَ وعمرِو بنِ العاصِ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ ) )، وقد تقدَّمَ، فما صدَرَ منهم فَهُم فيه مَعذورون ومأجورونَ، ولم يُخرِجْ ذَلِكَ أحدًا منهم عن العَدالةِ؛ لأنَّهم مجتهدُونَ اختلَفوا في مسائِلَ مِن مَحَلِّ الاجتهادِ كما يَختلِفُ المجتهِدونَ.
قولُه: (ثم القَدْرُ) إلخ: ثم حرفُ عطفٍ. قولُه: (جَانِبِ) أي: جِهَةٍ وناحيةٍ.
قولُه: (نَزْرٌ) أي: قليلٌ تَافِهٌ. قولُه: (مغمورٌ) أي: مُغطًّى مِن غَمَره إذا غطَّاهُ، وعَلاه أي: إِنَّ ما أَتَوْا بِهِ مِن الحسناتِ وما لَهُم مِن الفضائلِ والسَّوابِقِ غَمَرَ ما وقع منهم وغطَّاه وجَعَلَه كَلا شَيْءٍ، أو كقَطْرةِ نجاسةٍ وقَعَتْ في بحرٍ، هَذَا على فَرضِ ثبوتِ ذَلِكَ عنهم ووقُوعِه منهم، وإلاَّ فغالِبُ ما يُنقَلُ عنهم مِن المساوئِ إمَّا كَذِبٌ محْضٌ، وإمَّا محرَّفٌ كما تقدَّمَ؛ لأنَّ غالِبَ ما ذُكِرَ عنهم ذَكَرَهُ المؤرِّخون الذين يَكثُرُ الكَذِبُ فيما يَرْوونَه، وقَلَّ أنْ يَسْلَمَ نَقْلُهُم مِن الزِّيادةِ والنُّقصانِ، وأيضًا إذا ثَبَتَ صدُورُه عنهم فهُوَ صادِرٌ عن اجتهادٍ سائغٍ هُم مأجورونَ فيه على كِلا الحالَيْنِ.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: ومَن عَلِمَ ما دلَّ عليه القرآنُ والسُّنَّةُ مِن الثَّناءِ على القومِ -رضي اللَّهُ عنهم- واستحقاقَهُم الجَنَّةَ؛ وأنَّهم خيرُ هَذِهِ الأمَّةِ التي أُخرِجَتْ للنَّاسِ لم يُعارِضْ هَذَا المتيقَّنَ المعلومَ بأمورٍ مُشتَبِهَةٍ، منها ما لا يُعلمُ صحَّتُه، ومنها ما يَتَبَيَّنُ كذِبُه، ومنها ما لا يُعلمُ كَيْفَ وَقَعَ، ومنها ما يُعلمُ عُذرُ القومِ فيه، ومنها ما يُعلمُ تُوبَتُهم منه، ومنها ما يُعْلَمُ أنَّ له مِن الحسناتِ ما يَغْمُرُه، فمَن سَلَكَ سبيلَ أهلِ السُّنَّةِ استقام قولُه، وكان مِن أهلِ الحقِّ والاستقامةِ والاعتدالِ، وإلاَّ حَصلَ في جهلٍ ونقصٍ وتناقُضٍ كحالِ هؤلاء الرَّفَضةِ الضُّلاَّلِ.