الصفحة 202 من 233

وأَنَّ المُدَّ مِنْ أَحَدِهِمْ إِذا تَصَدَّقَ بهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، ثُمَّ إِذا كَانَ قَدْ صَدَرَ مِنْ أَحَدِهِمْ ذَنْبٌ؛ فَيَكونُ قَدْ تَابَ منهُ، أَو أَتَى بحَسَناتٍ تَمْحُوهُ، أَو غُفِرَ لَهُ؛ بِفَضْلِ سابِقَتِهِ، أَو بِشفاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذي هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِشَفاعَتِهِ، أَو ابْتُلِيَ بِبَلاءٍ في الدُّنْيا كُفِّرَ بهِ عَنْهُ. [1]

(1) قولُه: (وإنَّ المُدَّ مِن أحدِهم) . إلخ: كما في"الصَّحيحَيْنِ"عن أبي سعيدٍ الخدريِّ -رضي اللَّهُ عنه- أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ ) )، وقد تقدَّم الكلامُ عن هَذَا الحديثِ.

قولُه: (ثم إذا كان قد صَدَرَ) إلخ: والتَّوبةُ تَجُبُّ ما قَبلَها، كما في الحديثِ: (( التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ ) )والتَّوبةُ مَقبولةٌ مِن جميعِ الذُّنوبِ، قال تعالى: (إِلاَّ مَنْ تَابَ) ، وقال: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ) ، وقال: (أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وقد أخبَرَ اللَّهُ في كتابِه عن تَوبةِ أنبيائِهِ ودُعائِهم بالتَّوبةِ، قال تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) وقال عن موسى -عليه السَّلامُ- إنَّه قال: (تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) إلى غيرِ ذَلِكَ من الآياتِ، وأمَّا المأثورُ عنِ النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- فكثيرٌ جِداًّ، وأصحابُه كانوا أفْضَلَ قُرونِ الأمَّة، فهم أعْرَفُ القرونِ باللَّهِ، وأشدُّهم له خَشْيةً، وقد وَقَع مِن بعضِهم أشياءُ نَدِمُوا عليها وتابوا منها، وهَذَا مشهورٌ.

قولُه: (أو أَتَى بحسناتٍ تَمْحُوه) قال اللَّهُ تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيَّئَاتِ) وقال النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( وَأَتْبِعِ السِّيَّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا ) )وقال -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- للرَّجُلِ الذي قال أصبتُ حداًّ فَأَقِمْه عليَّ، فقال: (( هَلْ صَلَّيْتَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلاةَ؟ ) )قال: نَعَمْ، قال: (( اذْهَبْ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ ) )الحديثَ، والحسناتُ تَتَفاضَلُ بحسَبِ ما في القُلوبِ مِن الإيمانِ والتَّقوى، وحينئذٍ فيُعرَفُ أنَّ مَن هُوَ دُونَ الصَّحابةِ قد تكونُ له حسناتٌ تَمْحُو ما يُذَمُّ مِن أحدِهم، فكَيْفَ بالصَّحابَةِ -رضي اللَّهُ عنهم-.

قولُه: (أو غُفِرَ له لفَضلِ سابِقَتِه) كما تقدَّمَ مِن الأدِلَّةِ على ذَلِكَ، ومنها قولُه -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: (( لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ ) )، وكما في قِصَّةِ حاطِب بنِ أبي بَلْتَعَةَ فقد غَفَرَ له ذَلِكَ الذَّنْبَ العظيمَ بشُهودِه بَدْرا، وقد بَرِئَ النَّبيُّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- مما صَنَعَ خَالِدٌ ببني جذيمةَ وقال: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مَمَّا صَنَعَ خَالِدٌ ) )ولم يُؤاخِذْه له لِحُسْنِ بلائِه ونَصْرِه للإسلامِ، إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الأدِلَّةِ الكثيرةِ.

قولُه: (أو بِشفاعةِ محمَّدٍ) إلخ: فإنَّهم أخَصُّ النَّاسِ بِدُعائِه وشَفاعَتِه.

قولُه: (أو ابْتُلِيَ بِبَلاءٍ في الدُّنْيَا كُفِّرَ بِهِ عنه) أي: امْتُحِنَ وَأُصِيبَ بمُصيبةٍ كَفَّرَ اللَّهُ بها عنه، أي مُحِيَ عنه ذَلِكَ الذَّنْبُ، لأنها تُكَفِّرُ الذَّنْبَ، كما في الصَّحيحِ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: (( مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلاَ نَصَبْ وَلاَ غَمٍّ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَنٍ حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ ) )متَّفقٌ عليه، ذَكَرَ المصنِّفُ هنا بعضَ الأسبابِ المسقِطةِ للعقوبةِ، وقد استَوْفاها في المنهاجِ وشَرَحَها شَرْحًا وافِيًا، ثم قال: فَهِذِهِ الأسبابُ لا تفوتُ كُلُّها من المؤمنين إلاَّ القليلَ، فكَيْفَ بالصَّحابةِ رضوانُ اللَّهِ عليهم الذين هم خيرُ قُرونِ هَذِهِ الأمَّةِ، فإذا كان الذَّنْبُ الُمحَقَّقُ تَسقُطُ عقوبَتُه بِعدَّةِ أسبابٍ في حقِّ آحادِ النَّاسِ فكَيْفَ في أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-، فما مِن ذنبٍ يَسقطُ بِهِ الذَّمُّ والعقابُ عن أحدٍ مِن الأمَّةِ إلاَّ والصَّحابةُ أحقُّ بِذَلِكَ، فَهُم أحقُّ بكُلِّ مدحٍ ونَفْيِ كُلِّ ذَمٍّ ممَّن بعدَهم مِن الأمَّة. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت